باب الإخلاص
12 أحاديثنتائج البحث
لا توجد نتائج مطابقة
1
باب الإخلاص
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امريء ما نوى.، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه]
رواه البخاري ومسلم
فوائد الحديث
- (إنما الأعمال بالنيات)؛ أي: إنما صحةُ الأعمال بالنيات.
- والمراد بالأعمال هنا، أعمال الجوارح كلها، حتى تدخل في ذلك الأقوال؛ فإنها عمل اللسان، وهو من الجوارح.
- والمسلم يضاعف له الثواب على أكله وشربه، وقيامه وقعوده، ونومه ويقظته، على حسَب نيته.
- والنية بالمعنى الذي ذكره الفقهاء، وهو تمييز العبادات عن العادات، وتمييز العبادات بعضها عن بعض.
- النيّة محلها القلب.
- الإنسان يعطى على نيّته، ما لا يُعطى على عمله.
2
باب الإخلاص
عن عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ]. قَالَتْ: قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ [يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ]
متفق عليه
فوائد الحديث
- (حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ) أي: بأرضٍ واسعة مُتَّسعة،
- أسوأقهم: الذين جاؤوا للبيع والشراء، ليس لهم قصدٌ سيئ في غزو الكعبة، وفيهم أُنَاس ليسوا منهم؛ تبعوهم من غير أن يعلموا بِخُطَّتِهِم،
- المقصود: أنَّ مَن شارك أهلَ الباطل، فإنه يكون معهم في العقوبة، إذا وقعت، تَعُمُّ المؤمن والكافر، ولا تترك أحدًا. ثم يوم القيامة يُبْعَثون على نيَّاتهم.
3
باب الإخلاص
عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال النبي، صلى الله عليه وسلم [لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا]
متفق عليه
فوائد الحديث
- المراد بهذا الحديث نفي الهجرة من مكة الى المدينة؛ لأن مكة بعد الفتح صارت بلاد إسلام،
- أما الهجرة على عمومها، لم تبطل بالفتح؛ بل إنها، لا تَنْقَطِعُ الهجرة من بلاد الكفر حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ. وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا.
- فمن كان في بلاد الشرك، وهو لا يستطيع إظهار دينه، فإنه يلزمه أن يهاجر إلى بلاد إسلامية، أو إلى بلاد يستطيع فيها إظهار دينه، إلا من عجز
- والجهاد، هو بذْل الجُهد في قتال الكفار
- ويُطلَق على مجاهدة: النفس، والشيطان، والفساق
- وأما النيّة، فهي للأعمال بمنزلة الرُّوح من الجسد
4
باب الإخلاص
عن جابر بن عبد الله الأنصاري، رضي الله عنهما، قال: كنا مع النبي، صلى الله عليه وسلم في غزاة، فقال [إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ؛ حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ] وفي رواية [إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْر] ورواه البخاري عن أنس، رضي الله عنه، قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال [إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا، مَا سَلَكْنَا شِعْبًا، وَلَا وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا؛ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ]
رواه البخاري ومسلم
فوائد الحديث
- قوله: «فِي غَزَاةٍ»، أي: في غزوة.
- فمعنى الحديث: أن الإنسان، إذا نوى العملَ الصالحَ، ولكنه حبسه عنه حابس؛ فإنه يُكْتَب له أجرُ ما نوى.
- وأيضًا، إذا كان يعمله لَمَّا كان قادرًا، ثم عجز عنه فيما بعد؛ فإنه يُكْتَب له أجرُ العمل كاملًا.
5
باب الإخلاص
عن معن بن يزيد، بن الأخنس، رضي الله عنهم، قال: كان أبي - يزيد - أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد. فجئت، فأخذتها، فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردتُّ. فخاصمته إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال [لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ]
رواه البخاري
فوائد الحديث
- جواز التوكيل بدفع الصدقة
- الإنسان يُكْتَب له أجرُ ما نوى؛ وإنْ وقع الأمر على خلاف ما أراد.
- أنه يجوز للإنسان أن يَتَصَدَّق على ابنه؛ بشرط ألا يكون في ذلك إسقاط لواجب عليه... كالنفقة؛ ولكن، لقضاء دينه جاز، ان كان من الغارمين.
6
باب الإخلاص
عن سعد بن أبى وقاص، رضي الله عنه، قال: جاءني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعودني عام حجة الوداع، من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله، إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي. أفأتصدَّق بثُلُثَيْ مالي؟ قال [لا]. قلت: فالشَّطْرُ، يا رسول الله؟ قال [لا]. قلت: فالثُّلُثُ يا رسول الله؟ قال [الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثير -أو كبير. إنك، أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة، يتكففون الناس. وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ عليها؛ حتى ما تجعل فِي فِيْ امرأتك] قال: فقلت، يا رسول الله، أُخلَّف بعد أصحابي؟ قال [إنك لن تخلف، فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله، إلا أزدت به درجة ورفعة. ولعلك، أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون. اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس، سعد بن خولة] يرثي له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن مات بمكة
متفق عليه
مفردات الحديث
- يعودني: يزورني
- عالة: فقراء
- يرثي له: يترحم ويرق له
فوائد الحديث
- ينبغي للإنسان أن يستشير من هو أكمل منه رأيًا، وأكثر منه علمًا.
- لا يجوز للمريض مرضًا مخوفًا أن يعطي أكثر من الثلث، إلا إذا أجازه الورثة. وينبغي أن يكون عطاؤه أقل من الثلث.
- من كان صحيحا،ً ليس فيه مرض، أو فيه مرض يسير، لا يخشى منه الموت، فله أن يتصدق بما شاء.
- أخبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، ببعض المغيّبات البائس، سعد بن خولة، رضي الله عنه، من المهاجرين الذين هاجروا من مكة. ولكن الله قدر أن يموت فيها، فمات فيها.، فرثى له النبي، عليه الصلاة والسلام. أي: توجَّع له أن مات بمكة؛ وقد كانوا يكرهون للمهاجر أن يموت في الأرض التي هاجر منها.
7
باب الإخلاص
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِﷺ [إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكُم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ]
رواه مسلم
فوائد الحديث
- الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنما تحصل بما يقع في القلب من تعظيم الله تعالى، وخشيته ومراقبته.
- ضرورة الاهتمام بالقلب
- أول ما ينظر الله إليه من العبد قلبه، وهو محل التقوى، وموضع النيّة
- معنى النظر من الله هو الاحسان والرحمة والعطف
8
باب الإخلاص
عَنْ أبي مُوسَى الأَشعرِيِّ، رضي الله عنه، قالَ: سُئِلَ رسولُ اللهﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقاتِلُ شَجَاعَةً، ويُقاتِلُ حَمِيَّةً ويقاتِلُ رِياءً، أَيُّ ذلِك في سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُول اللهﷺ [مَنْ قاتَلَ لِتَكُون كلِمةُ اللَّهِ هِي الْعُلْيَا فهُوَ في سَبِيلِ اللَّهِ]
مُتَّفَقٌ عَلَيهِ
مفردات الحديث
- الحمية: أي الأنفة والعصبية
- رياء: أي ليراه الناس
فوائد الحديث
- من كانت نيته نصرة الدين وإعزازه، فهو في سبيل الله
- أنَّ النِّيةَ الصَّالحةَ شرطٌ لقَبولِ العمَلِ عند اللهِ عزَّ وجلَّ
- أنَّ الفَضلَ الَّذي وَرَدَ في المُجاهدينَ يَختَصُّ بمَن قاتَلَ لإعلاءِ كَلِمةِ اللهِ تعالى
9
باب الإخلاص
عن أبي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بن الحارثِ الثَّقَفِيِّ، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال [إذا التقى المسلمانِ بسيفَيْهما فالقاتل والمقتول في النار] قلت: يا رسول الله، هذا القاتِل؛ فما بالُ المقتول؟ قال [إنّه كان حريصًا على قتل صاحبه]
متفق عليه
فوائد الحديث
- أن قصد الجريمة، والعزم عليه، والتصميم يعاقب به المرء، وإن لم تقع منه الجريمة
- سبب دخول المقتول النار هو عزمه وإصراره على قتل صاحبه، ولكنه عجز عنه
- قرر الفقهاء أن المقاتلة، المقصود بها هنا، هي ما كانت بدون تأويل سائغ، كمن يقاتل عصبية أو حمية، دون تبصر بالحق
- أنَّ قتالَ المسلِمِ لأخيه، بغيرِ وجهٍ شرعيٍّ، كبيرةٌ مِن الكبائرِ.
10
باب الإخلاص
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. وَذَلِكَ، أَنَّ أَحَدَهُمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ. فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ. وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللهُمَّ ارْحَمْهُ، اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ؛ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ]
متفق عليه
مفردات الحديث
- لا يَنْهَزُهُ: أي، لا يخرجه؛ لا ينهضه؛ لا يدفعه.
فوائد الحديث
- خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ؛ يدل على اعتبار النيّة في حصول هذا الأجر العظيم.
- فضيلة من انتظر الصلاة مطلقاً، فلنغتنمها بملازمة مصلّانا بعد الصلاة
- الحدث والإيذاء في المسجد خطيئةٌ، يُحرم بهما المُحدث استغفار الملائكة
11
باب الإخلاص
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى، قال [إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيّن ذلك. فمن همَّ بحسنةٍ، فلم يعملها، كتبها الله تبارك وتعالى عنده حسنةً كاملةً. وإن همَّ بها، فعملها، كتبها الله عشر حسناتٍ، إلى سبعمائة ضِعفٍ... إلى أضعافٍ كثيرةٍ. وإن همَّ بسيئةٍ، فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنةً كاملةً. وإن همَّ بها، فعملها، كتبها الله سيئةً واحدة]
متفق عليه
فوائد الحديث
- أن النبي، صلى الله عليه وسلم، يروي عن ربه، وهذا يسمى عند أهل العلم: حديثًا قدسيًّا.
- الهمُّ، يعني الإرادة، والنيّة بأن عقد عزمه عليها
- الحفظة من الملائكة يكتبون أعمال القلوب والجوارح معًا
- هذا الحديث بيَّن مقدار تفضُّل الله عز وجل على خلقه، ورأفته بهم
- قوله أضعاف كثيرة، وذلك بحسَب ما يحتفُّ بهذه الحسنة من قوة الإخلاص، وحُسن المتابعة للسُنّة، وتعدي النفع إلى الآخرين، وغير ذلك من أسباب المضاعَفة
- مضاعفة الحسنات فضلٌ، ومكافأة السيئات عدْلٌ
- من همّ بالسيئة، وسعى لفعلها، ثم عرض له عارض منعه من التمكن منها، فهذا، وإن لم يعمل السيئة، إلا أنه آثم بها
12
باب الإخلاص
عَن عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: [انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ. فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ. فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللهَ بصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. قَالَ رجلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ، كَانَ لِي أَبَوانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا. فَنَأَى بِي/ طَلَبُ الشَّجَرِ يَوْمًا، فَلَم أُرِحْ عَلَيْهمَا حَتَّى نَامَا. فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُما نَائِمَينِ، كَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَأَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبَثْتُ، والْقَدَحُ عَلَى يَدِي، أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرِقَ الفَجْرُ، والصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ. فاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ، إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلِكَ ابِتِغَاء وَجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ. فانْفَرَجَتْ شَيْئًا، لَا يَسْتَطيعُونَ الْخُروجَ مِنْهُ. قَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ، إِنَّهُ كانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمَّ، كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِليَّ - وفي رواية: كُنْتُ أُحِبُّهَا كأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ - فأَرَدْتُهَا عَلَى نَفْسِهَا. فامْتَنَعَتْ منِّي، حَتَّى أَلَمَّتْ بها سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءتْنِي.، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ ومائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْني وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفعَلَتْ. حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا - وفي رواية: فَلَمَّا قَعَدْتُ بَينَ رِجْلَيْهَا - قالتْ: اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ. فَانصَرَفْتُ عَنْهَا، وَهيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِليَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أعْطَيتُها. اللَّهُمَّ، إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ، فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فيهِ، فانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا. وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمّ،َ اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، وأَعْطَيْتُهُمْ أجْرَهُمْ، غيرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهبَ. فَثمَّرْتُ أجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنهُ الْأَمْوَالُ. فَجَاءنِي بَعدَ حِينٍ، فَقالَ: يَا عبدَاللهِ، أَدِّ إِلَيَّ أجري. فَقُلْتُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أجْرِكَ: مِنَ الْإِبِلِ، وَالبَقَرِ، والْغَنَمِ، والرَّقيقِ. فَقَالَ: يَا عَبْدَاللهِ، لَا تَسْتَهْزِئْ بِي. فَقُلْتُ: لَا أسْتَهْزِئُ بِكَ. فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا. الَّلهُمَّ، إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابِتِغَاءَ وَجْهِكَ، فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ]
متفق عليه
مفردات الحديث
- نأى بي طلب الشجر: أي، أبعد بي طلب الشجر، الذي يرعاه القطيع.
- لا أغبق: لا أشرب اللبن، وهو شرب آخر النهار بالعشيّ.
- الأهل: مثل الزوجة والأولاد. والمال: مثل الأرقاء.
- لم أرح: لم أرُدّ الإبل والغنم عند العشي إلى مأواها.
- يتضاغون: يصيحون من الجوع.
- ألمّت بها سنة: نزلت بها شدّة من شدائد ونوازل الدنيا.
- فثمّرت أجره: كثرتة باستثماره
فوائد الحديث
- التوسل إلى الله سبحانه وتعالى يكون بصالح الأعمال؛ بالإخلاص والعفة، والأمانة والإصلاح.
- فضل برّ الوالدين وخدمتهما، وإيثارهما عمّن سواهما. وأنه من الأعمال الصالحة، التي تُفرَّج بها الكربات، وتزال بها الظلمات.
- فضل العفاف عن المحرمات، فهي من أفضل الأعمال.
- فضل أداء الأمانة، وإصلاح العمل للغير.
13
باب التوبة
عن أَبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ [وَاللَّهِ إِنِّي لاَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً]
رواه البخاري
مفردات الحديث
- التَّوْبة: الرُّجُوعُ من الذَّنْبِ، والعودة من الخطإ، عن كل ما يبعد عن الله تعالى
- الاستغفار: طلب المغفرة
فوائد الحديث
- الاستغفار من النبي، صلى الله عليه وسلم، هو لإظهار العبودية لله تعالى، والشكر له على ما أولاه من النعم.
- توبته، صلى الله عليه وسلم، من انشغاله بالأمور المباحة، من أكل أو شرب، أو جماع أو نوم أو راحة، أو ذلك تَشريعًا وتعليمًا لأُمَّتِه.
- لم يقيد، صلى الله عليه وسلم الاستغفار، لا بـ (العدد) فمرة قال: مئة، ومرة قال: سبعين. ولم يقيده بـ (وقت) فيستغرق سائر اليوم.
14
باب التوبة
عَنْ الْأَغَرِّ بن يَسَار الْمُزَنِيِّ، رضي الله عنه، قال: قال رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [يا أيها الناسُ، توبُوا إلى الله واستغفروهُ، فإنِّي أتوبُ في اليومِ إليه مِئةَ مرَّةٍ]
رواه مسلم
15
باب التوبة
عن أنس بن مالك، رضي الله عنه - خادم رسول الله، صلّى الله عليه وسلم- قال: قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلم [لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم: سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة] وفي رواية لمسلم [لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، وقَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ. فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي... وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ]
متفق عليه
مفردات الحديث
- سقط على بعيره: عثر على موضعه
- بخطامها: حبل يربط به البعير
فوائد الحديث
- أصل التوبة في اللغة: الرجوع، ولها ثلاثة أركان: الإقلاع، والندم على فعل تلك المعصية، والعزم على ألا يعود إليها أبدا. فإن كانت المعصية لحق آدمي... فلها ركن رابع، وهو التحلل من صاحب ذلك الحق. وأصلها الندم، وهو ركنها الأعظم. واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة. وأنها واجبة على الفور، لا يجوز تأخيرها؛ سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة.
- تحقق صاحب الراحلة أنه سيموت في مكان، لا يدري به أحد. سيكون قبره في بطون السباع، وحواصل الطير. وعندما يجد راحلته في هذه الحالة يفرح. فهذه فرحة لا تعادلها فرحة. فالله أشد فرحاً بتوبة العبد، وهو أغنى الأغنياء، تبارك وتعالى؛ غني عنا وعن توبتنا.
- الفرح من المخلوق: قد يكون مع العلم بالشيء، وقد يكون مع الجهل به.
- الفرح من الله جل وعلا، مثل سائر الصفات، كالرضا والغضب، والرحمة والمحبة، وغير ذلك، كلها صفات تليق بالله، يجب إثابتها لله، على الوجه اللائق به، سبحانه وتعالى. وليست من جنس صفات المخلوقين.
- في هذا الحديث دليل على فرح الله - عز وجل- بالتوبة من عبده، إذا تاب إليه، وأنه يحب ذلك- سبحانه وتعالى- محبة عظيمة، ولكن، لا لأجل حاجته إلى أعمالنا وتوبتنا؛ فالله غني عنا. ولكن لمحبته سبحانه للكرم.
- وفيه دليل على أن الإنسان، إذا أخطأ في قول من الأقوال، ولو كان كفرًا سبق لسانه إليه؛ فإنه لا يؤاخذ عليه.
- وبركة الاستسلام لأمر الله، والخروج عن الحول والقوة.
16
باب التوبة
عن أبي مُوسى، عَبْدِاللَّهِ بنِ قَيْسٍ الأَشْعَرِيِّ، رضِي الله عنه، عن النَّبِيَّﷺ قَالَ [إِن الله تَعَالَى يبْسُطُ يدهُ بِاللَّيْلِ ليتُوب مُسيءُ النَّهَار، وَيبْسُطُ يَدهُ بالنَّهَارِ ليَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مغْرِبِها]
رواه مسلم
17
باب التوبة
وعَنْ أبي هُريْرةَ، رضي الله عنه، قَالَ: قالَ رَسُول اللهِﷺ [مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تطلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مغْرِبِهَا تَابَ الله علَيْه]
رواه مسلم
فوائد الحديث
- سعة رحمة الله وإحسانه لعباده أن شرع لهم التوبة، وفتح لهم أبوابها.
- إن الله تعالى يبسط يد الفضل والإنعام والرضى، للعفو عن المذنبين النادمين... حتى تقوم الساعة.
- ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻳﻘﺒﻞ ﺗﻮﺑﺔ ﺍﻟﻌﺒﺪ، ﻭﺇﻥ ﺗﺄﺧﺮﺕ. ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺭﺓ ﺑﺎﻟﺘﻮﺑﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ؛ لأﻥ الإﻧﺴﺎﻥ لا ﻳﺪﺭﻱ، ﻓﻘﺪ يفاجئهُ ﺍﻟﻤﻮﺕ.
18
باب التوبة
وعَنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمن، عَبْدِاللَّهِ بنِ عُمرَ بن الخطَّاب، رضيَ اللهُ عنهما، عن النَّبيِّﷺ، قَالَ: [إِنَّ الله عزّ وجل يقْبَلُ توْبة العبْدِ مَا لَم يُغرْغرِ]
رواه الترمذي، وقال حديث حسنٌ
فوائد الحديث
- المقصود بالغرغرة بلوغ الروح الحلقوم.
- من تاب إلى الله، وهو يرجو الحياة، فإن توبته مقبولة.
19
باب التوبة
عن زر بن حبيش قال: أتيتُ صفوانَ بنَ عسَّالٍ، رضي الله عنه، أسألُه عن المسحِ على الخُفَّينِ؟ فقال: ما جاء بك يا زرُّ؟ فقلتُ: ابتغاءَ العلمِ. فقال: إنَّ الملائكةَ تضعُ أجنحَتَها لطالبِ العلمِ، رضًا بما يطلبُ. فقلتُ: إنه حكَّ في صدري المسحُ على الخُفَّينِ، بعد الغائطِ والبولِ. وكنتَ امرأً من أصحابِ النبيِّ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فجئتُ أسألُك: هل سمعتَه يذكرُ في ذلك شيئًا؟ قال: نعم، كان يأمرُنا، إذا كنا سفرًا -أو مسافرين- أن لا ننزعَ خفافَنا ثلاثةَ أيامٍ ولياليهنَّ، إلا من جنابةٍ. لكن، من غائطٍ وبولٍ ونومٍ. فقلتُ: هل سمعتَه يذكرُ في الهوى شيئًا؟ قال: نعم، كنا مع رسولِ اللهِ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، في سفرٍ. فبينما نحن عنده، إذ ناداه أعرابيٌّ بصوتٍ له جَهْوَرِيٍّ: يا محمدُ؟ فأجابَه رسولُ اللهِ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، نحوًا من صوتِه [هاؤُم] فقلت له: ويحكَ، اغضضْ من صوتِك، فإنك عند النبيِّ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وقد نهيتَ عن هذا. فقال: واللهِ، لا أغضضُ. قال الأعرابيُّ: المرءُ يحبُّ القومَ، ولمَّا يلحقْ بهم؟ قال النبيُّ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ [المرءُ مع من أحبَّ يومَ القيامة]. فما زال يحدثُنا حتى ذكر بابًا من المغربِ، مسيرةُ عرضِه، أو يسيرُ الراكبُ في عرضِه أربعين أو سبعين عامًا؛ قال سفيانُ، أحد الرواة: قِبل الشامِ، خلقَه اللهُ تعالى يومَ خلق السمواتِ والأرضَ، مفتوحًا للتوبةِ؛ لا يغلقُ حتى تطلعَ الشمسُ منه
رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
مفردات الحديث
- حكَّ في صدري: وقع فيه شك.
- إلا من جنابة: أي مما يوجب الغسل.
- جهوريّ: شديد، عالّ.
فوائد الحديث
- حِرصِ التابعينَ على طَلبِ العِلمِ مِن الصَّحابةِ، رضِيَ اللهُ عنهم.
- فَضلُ طلبِ العِلمِ، وعِظَمُ منزلةِ طالبِ العِلمِ، واحتفاءُ الملائكةِ بطالبِ العلمِ.
- احتفاءُ الملائكةِ بطالبِ العلمِ، وتواضعها له.
- لا تقبل التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها.
- ظهور الساعة، يعني انقضاء التكليف.
20
باب التوبة
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ [كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ، قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوبَةٍ؟ فقالَ: لَا. فَقَتَلهُ، فَكَمَّلَ بهِ مئَةً. ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ. فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ! ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وكَذَا، فإِنَّ بِهَا أُناسًا يَعْبُدُونَ اللهَ تَعَالَى، فاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، ولَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أرضُ سُوءٍ. فانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ، أَتَاهُ الْمَوْتُ. فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلَائِكَةُ الْعَذَابِ. فَقَالتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا، مُقْبِلًا بِقَلبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى. وقالتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خَيرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ - أيْ حَكَمًا - فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أيَّتِهِمَا كَانَ أدنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوا، فَوَجَدُوهُ أدْنى إِلَى الْأرْضِ الَّتِي أرَادَ؛ فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ] وفي رواية في «الصحيح»: [فَكَانَ إِلَى القَريَةِ الصَّالِحَةِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ، فَجُعِلَ مِنْ أهلِهَا] وفي رواية في «الصحيح» أيضًا: [فَأَوحَى الله تَعَالَى إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وَإِلَى هذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وقَالَ: قِيسُوا مَا بيْنَهُما، فَوَجَدُوهُ إِلَى هذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ، فَغُفِرَ لَهُ] وفي رواية: [فَنَأى بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا]
متفق عليه
فوائد الحديث
- سعة رحمة الله، وقبوله لتوبة التائبين، مهما عظمت ذنوبهم، وكبرت خطاياهم.
- لا بد من صدق النية... في طلب التوبة، وسلوك الطرق والوسائل المؤدية إليها، والمعينة عليها.
- استعظام الذنب هو أول طريق التوبة. وكلما صَغُرَ الذنب في عين العبد كلما عَظُمَ عند الله.
- منهجاً للدعاة، بألا ييأسوا من إنسان، مهما بلغت ذنوبه وخطاياه. فقد تكون هناك بذرة خير في نفسه، تحتاج إلى من ينميها، ويسقيها بماء الرجاء في عفو الله.
- أثر البيئة التي يعيش فيها الإنسان، والأصحاب الذين يخالطهم، على سلوكه وأخلاقه.
- هجر كل ما يذكر بالمعصية، ويغري بالعودة إليها.
- أهمية العلم وشرف أهله، وفضل العالِم على العابِد؛ فالعلماء هم ورثة الأنبياء.
21
باب التوبة
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يُحَدِّثُ بحَديثهِ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، في غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ كَعْبٌ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ، إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. غَيْرَ أَنِّي قَدْ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهُ؛ إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ الله، صلى الله عليه وسلم، والْمُسْلِمُونَ يُريدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ وبَيْنَ عَدُوِّهمْ، عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ. ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، لَيلَةَ الْعَقَبَةِ، حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ. وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا. وَكَانَ مِنْ خَبَري، حينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رسولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ، مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ. وَاللهِ، مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ، حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ. وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا، وَاستَقْبَلَ عَدَدًا كَثِيرًا. فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ، لِيتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ الَّذِي يُريدُ، وَالْمُسلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ - يُرِيدُ بِذَلِكَ: الدِّيوَانَ – قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُريدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ سَيَخْفَى بِهِ، مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ اللهِ. وَغَزَا رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ، فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أتَجَهَّزَ مَعَهُ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أقْضِ شَيْئًا، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَرَدْتُ. فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِيَ حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، غَادِيًا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جِهَازِي شَيْئًا. ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ، وَلَمْ أقْضِ شَيْئًا. فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِيَ حَتَّى أَسْرَعُوا، وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَا لَيْتَني فَعَلْتُ. ثُمَّ لم يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي، فَطَفِقْتُ، إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ، بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، يَحْزُنُنِي أَنِّي لَا أَرَى لِيَ أُسْوَةً، إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ في النِّفَاقِ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الضُّعَفَاءِ. وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: [مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟]، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: بِئْسَ مَا قُلْتَ! وَاللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم. فَبَيْنَا هُوَ عَلى ذَلِكَ رَأَى رَجُلًا مُبَيِّضًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ]، فَإذَا هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِيْنَ لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ، حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا؟ وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي. فَلَمَّا قِيْلَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا، زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ، حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَدًا، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ. وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ. فَلَمَّا فَعَلَ ذلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ؛ وَكَانُوا بِضْعًا وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ، واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى، حَتَّى جِئْتُ. فَلَمَّا سَلَّمْتُ، تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ [تَعَالَ]، فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي [مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ]؟ قَالَ: قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي وَاللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأيتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ؛ لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، ولَكِنِّي وَاللهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ. وَإِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللهِ، عَزَّ وَجَلَّ. وَاللهِ، مَا كَانَ لِيَ مِنْ عُذْرٍ. وَاللهِ، مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ]. وَسَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، فاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللهِ، مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هذَا. لَقَدْ عَجَزْتَ فِي أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، لَكَ. قَالَ: فَوَاللهِ، مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُّ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَأُكَذِّبَ نَفْسِي. ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هذَا مَعِيَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانِ، قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ. قَالَ: قُلْتُ، مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَمْرِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ؟ قَالَ: فَذَكَرُوا لِيَ رَجُلَينِ صَالِحَينِ، قَدْ شَهِدَا بَدْرًا؛ فِيهِمَا أُسْوَةٌ. قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي. ونَهَى رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، عَنْ كَلَامِنَا، أيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجْتَنَبَنَا النَّاسُ - أوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا - حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي فِي نَفْسِي الْأَرْضَ، فَمَا هِيَ بِالْأرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا، وقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ. وَأَمَّا أَنَا، فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَومِ، وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ، فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ. وَآتِي رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْه برَدِّ السَّلَامِ، أَمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي. حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ، مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وأَحَبُّ النَّاس إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ. فَوَاللهِ، مَا رَدَّ عَليَّ السَّلَامَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أنْشُدُكَ باللهِ، هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَسَكَتَ. فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ. فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ أهْلِ الشَّامِ، مِمَّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبيعُهُ بِالمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ حَتَّى جَاءنِي، فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتبًا، فَقَرَأْتُهُ، فإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بدَارِ هَوانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بنَا نُوَاسِكَ. فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيضًا مِنَ البَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهَا. حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسينَ، وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، إِذَا رسولُ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، يَأْتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ فَقالَ: لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا. وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأهْلِكِ، فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ في هَذَا الْأَمْرِ. فَجَاءَتِ امْرَأةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ، لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ [لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنَّكِ]. فَقَالَتْ: إِنَّهُ وَاللهِ، مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَى شَيْءٍ، وَوَاللهِ، مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أمْرِهِ مَا كَانَ، إِلَى يَومِهِ هَذَا. فَقَالَ لي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فِي امْرَأَتِكَ، فَقَدْ أَذِن لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلْتُ: لَا أَسْتَأذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم. وَمَا يُدْرِيني مَاذَا يقُولُ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ؟ وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌ! فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنا خَمْسُونَ لَيْلَةً، مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنَا، ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحالِ الَّتي ذَكَرَ الله تَعَالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بِأعْلَى صَوتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، أبْشِرْ، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، فَآذَنَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- النَّاسَ بِتَوْبَةِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، فَكانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبشَارَتِهِ، وَاللهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهنِّئونَنِي بِالتَّوْبَةِ، وَيَقُولُونَ لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهُ عَلَيْكَ، حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيرُهُ، فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ [أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، مُذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ]. فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ، يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْ مِنْ عِندِ الله؟ قَالَ [لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ]. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، إِذَا سُرَّ، اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ. وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم [أَمْسِكَ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ]»، فَقُلْتُ: إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا أنْجَانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا... مَا بَقِيتُ. فَوَاللهِ، مَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَبْلَاهُ اللهُ تَعَالَى فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ، مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللهُ تَعَالَى. وَاللهِ، مَا تَعَمَّدْتُ كِذْبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، إِلَى يَومِيَ هَذَا. وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللهُ تَعَالَى فِيمَا بَقِيَ. قَالَ: فأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿... إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ التوبة: 117 – 119 قَالَ كَعْبٌ: وَاللهِ، مَا أَنْعَمَ اللهُ عَليَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ، بَعْدَ إِذْ هَدَانِي اللهُ لِلْإِسْلَامِ، أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدقِي رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ، كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا؛ إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا، حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ، شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ؛ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ التوبة: 95 – 96 قَالَ كَعْبٌ: كُنَّا خُلِّفْنَا، أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ، عَنْ أمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ. وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللهُ تَعَالَى فِيهِ بِذَلِكَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾؛ وَليْسَ الَّذِي ذَكَرَ مِمَّا خُلِّفْنَا تَخلُّفُنَا عَنِ الْغَزْوِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ وفي رواية: أَنَّ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، خَرَجَ فِي غَزْوَةِ تَبْوكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ. وفي رواية: وَكَانَ لَا يَقْدُمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا، فِي الضُّحَى. فَإِذَا قَدِمَ، بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ
متفق عليه
مفردات الحديث
- عير قريش: الإبل
- ورّى بغيرها: سترها
- مفاز: البرِّيَّة القفر
- أصعر: أعرض
- لمزه المنافقون: عابوه واحتقروه
- نَبَطيّ: الماء من قاع البئر
فوائد الحديث
- أن الإنسان لا ينبغي له أن يتأخر عن فعل الخير، بل لا بد أن يتقدم، ولا يتهاون أو يتكاسل.
- أن الله سبحانه وتعالى قد يَمُنُّ على العبد، فيعصمه من المعصية... إذا علم من قلبه حسن النية.
- يقيِّض الله للإنسان ما يجعله يدع الشر، اقتداء بغيره، وتأسيًا به.
- شدة امتثال الصحابة لأمر النبي، صلى الله عليه وسلم.
- أنه يجب التحرز من أصحاب الشر، وأهل السوء الذين ينتهزون الضعف في الإنسان، والفرص في إضاعته وهلاكه.
- أن المنافقين يلمزون المؤمنين.
- أنه ينبغي مكافأة من بشرك بهدية، تكون مناسبة للحال.
- كمال يقين، وقوة إيمان كعب بن مالك، رضي الله عنه، في دين الله، وأنه من المؤمنين الخلص.
- حرص الصحابة، رضي الله عنهم، على التسابق إلى البشرى؛ لأن البشرى فيها إدخال السرور على المسلم.
- إن مَن أنعم الله عليه بنعمة، فإن من السنة ان يتصدق بشيء من ماله، فإن النبي، صلى الله عليه وسلم، أقر كعب بن مالك على أن يتصدق بشيء من ماله، توبة إلى الله عز وجل.
- الفسق من أسباب انتفاء رضا الله عن العبد، والطاعة من أسباب الرضا.
22
باب التوبة
عَنْ عِمْرانَ بْنِ الحُصيْنِ الخُزاعيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرأَةً مِنْ جُهينةَ أَتَت رَسُولَ اللهﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فقَالَتْ: يَا رسول الله، أَصَبْتُ حَدّاً فأَقِمْهُ عَلَيَّ. فَدَعَا نَبِيُّ اللهﷺ وَليَّهَا، فَقَالَ: [أَحْسِنْ إِليْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي] فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِﷺ، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُها، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فرُجِمتْ، ثُمَّ صلَّى عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ؟! قَالَ [لَقَدْ تَابَتْ تَوْبةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْن سبْعِينَ مِنْ أَهْلِ المدِينَةِ لوسعتهُمْ. وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنفْسهَا للَّهِ عزّ وجلّ]؟
رواه مسلم
مفردات الحديث
- لوسعتهم: لكفتهم.
- جادت بنفسها: بذلتها لنيل مغفرة الله.
فوائد الحديث
- الجلد ثابت في كتاب الله تعالى على البكر، والرجم ثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الثيب، وكان ممّا أُنزل من القرآن ثم نُسخ تلاوة لا حكما.
- حرص المؤمن على تطهير نفسه ليلقى الله عز وجل وهو راضٍ عنه.
- جواز إقرار الإنسان على نفسه بالزنى من أجل تطهيره بالحد لا من أجل فضحه نفسه.
- المؤمن يحرص ويحذر شر الذنوب ويبادر إلى التوبة منها.
- من تاب من الذنب وجاء يطلب إقامة الحد يقام عليه الحد، ومن تاب بينه وبين الله وستره الله فلا حاجة يكفيه التوبة والحمد لله،
23
باب التوبة
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِﷺ قَالَ [لَوْ أَنَّ لابْنِ آدَمَ وَادِياً مِنْ ذَهبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وادِيانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ]
مُتَّفَقٌ عَليْهِ
فوائد الحديث
- عبر بالوادي من ذهب للمبالغة في الكثرة.
- حرص الإنسان على جمع المال وحب الاستكثار منه.
- لا حرج في طلب التوسعة في الدنيا ولكن المذموم الانشغال بها عن الطاعات.
- التوبة من أهم الواجبات، والله يقبل توبة التائبين.
24
باب التوبة
وَعَنْ أبي هريرة، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِﷺ قَالَ [يَضْحكُ اللَّهُ سبحانه وتعالى إِلَى رَجُلَيْنِ يقْتُلُ أحدُهُمَا الآخَرَ يدْخُلاَنِ الجَنَّة، يُقَاتِلُ هَذَا في سبيلِ اللَّهِ فيُقْتل، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيسْلِمُ فيستشهدُ]
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فوائد الحديث
- الأول قُتل في سبيل الله، والثاني أسلم وقتل في سبيل الله أيضاً.
- كل من قتل في سبيل الله فهو في الجنّة.
- لا يلزم من تساوي الرجلين في دخول الجنّة تساويهما في المنزلة.
- التوبة من أفضل نعم الله على العباد.
25
باب الصبر
عَنْ أَبِي مَالِكٍ الحارث بن عاصم الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا]
رواه مسلم
مفردات الحديث
- شطر: نصف.
- برهان: دليل على صدق الإيمان.
- الصبر: حبس النفس.
- ضياء: هو شدة النور.
- حجة: برهان ودليل.
- يغدو: يذهب باكرًا.
- معتقها: مخلصها.
- موبقها: مهلكها.
فوائد الحديث
- الحث على الطهور، وبيان منزلته من الدين، وأنه شطر الإيمان، وعظيم فضل الطهارة من الأحداث والأخباث.
- بيان فضل التسبيح والتحميد، فكلمة الحمد لله تملأ الميزان، لعظم فضلها ودلالتها على ثناء العبد على الله.
- أن أفعال بني آدم وأقوالهم يكون لها جرم يوم القيامة وتوزن بالميزان.
- الحث على الصلاة لأنها، فريضة كانت أو نافلة، هي نور لما فيها من إضائة قلب المؤمن وانشراح صدره وكفه ومنعه من المعاصي وحمايته من المنكرات والفواحش.
- الصدقة دليل وبرهان على صدق إيمان المنفق ومحبته لله لأن المال محبب للنفوس والنفوس مجبولة على إمساكه ومنعه.
- الصبر بأنواعه خير والصبر من أجلّ أعمال القلوب.
- من عمل بالقرآن فهو حجة له، ومن لم يعمل بالقرآن فهو حجة عليه.
- أن كل إنسان لا بد أن يعمل؛ فإما أن يعتق نفسه، أو يوبقها.
26
باب الصبر
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِندَهُ، فَقَالَ لَهُمْ، حِينَ أَنْفْقَ كُلَّ شَيءٍ بِيَدِهِ [مَا يَكُنْ عِنْدي مِنْ خَيْر فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْر]
متفق عليه
مفردات الحديث
- نفد: فني وانتهى.
- يستعفف: يطلب العفاف، والكفّ عن الحرام.
فوائد الحديث
- حث النبي صلى الله عليه وسلم على الاستعفاف والاستغناء والصبر.
- الغني غني القلب، فإذا استغنى الإنسان أغناه الله عن الناس، وجعله عزيز النفس بعيدًا عن السؤال.
- الصبر له منزلة عظيمة، والصبر يأتي بالتصبر.
- والصبر ثلاثة أقسام: الصبر عن المعاصي والصبر على الطاعات والصبر عند الشدائد المصيبات وأفضلها الصبر عن المعاصي.
27
باب الصبر
عن صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤمنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ]
رواه مسلم
مفردات الحديث
- عجباً: تعجب إنكار.
- سراء: الرخاء والسعة.
- ضراء: الشدة والحزن.
فوائد الحديث
- المؤمن دائماً في نعمةٍ وخيرٍ من الله، وفي ذلك حثٌ على الإيمان.
- الشكر على الخير والسراء سببٌ من أسباب زيادة النعم.
- يعتبر الصبر على البلاء خصلةً من خصال الإيمان.
- غير المؤمن يفرح إن أصابه خير، ويسخط على الله إن إصابه ضراء، ويتذمّر والعياذ بالله.
28
باب الصبر
عَنْ أنَسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبيُّ، صلى الله عليه وسلم، جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الْكَرْبُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: وَاكَربَ أَبَتَاهُ، فَقَالَ [لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ]. فَلَمَّا مَاتَ، قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ! يَا أَبَتَاهُ، جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ! يَا أَبَتَاهُ، إِلَى جبْرِيلَ نَنْعَاهُ! فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَطَابَتْ أنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، التُّرَابَ؟!
رواه البخاري
مفردات الحديث
- كرب: الحزن والغم.
- مأواه: المأوى: المنزل.
- ننعاه: إذاعة موته، وندبه.
- تحثوا: ترموا.
فوائد الحديث
- للصبر منزلة عالية، تُنال بامتحان واختبار من الله عز وجل، لأنه لا صبر إلا على مكروه.
- رسول الله صلى الله عليه وسلم كغيرة من البشر، يمرض ويجوع، ويعطش، ويبرد ويتألم ويموت.
- يجوز الحزن التوجع عند فراق الميت من غير اعتراض على قدر الله عز وجل.
29
باب الصبر
عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم وَحِبِّه، وَابْنِ حِبِّهِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَرْسَلَتْ بِنْتُ النَّبيِّ، صلى الله عليه وسلم: إِنَّ ابْنِي قَدِ احْتُضِرَ، فَاشْهَدنَا. فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ، وَيَقُولُ [إِنَّ للهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ]. فَأَرسَلَتْ إِلَيْهِ، تُقْسِمُ عَلَيهِ لَيَأْتِينَّهَا، فَقَامَ، وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابتٍ، وَرجَالٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، الصَّبِيُّ، فَأَقْعَدَهُ فِي حِجْرِهِ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذَا؟ فَقالَ [هذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ] وفي رواية [فِي قُلُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّما يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبادِهِ الرُّحَمَاءَ]
متفق عليه
مفردات الحديث
- احتُضِر: حضر، ودنا موته.
- فَلْتَصْبِرْ: تحتسب الأجر على الله بصبرها.
- ولتحتسب: تطلب الأجر والثواب من الله.
- حجره: حضنه.
- تقعقع: تتحرك وتضطرب.
- فَإِنَّ للهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى. هذه الجملة عظيمة؛ إذا كان الشيء كله لله، إن أخذ منك شيئًا... فهو ملكه. وإن اعطاك شيئًا، فهو ملكه. فكيف تسخط؟
- وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى: كل شيء عنده بمقدار.
- الحث على الصبر والرحمة والشفقة والتسليم لقضاء الله.
- التعزية هي التصبير والحمل على الصبر بذكر ما يسلي المصاب، ويخفف حزنه ويهون عليه.
30
باب الصبر
وَعَنْ صُهَيْبٍ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِﷺ قَالَ [كَانَ مَلِكٌ فيِمَنْ كَانَ قبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِك: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ، فَابعَثْ إِلَيَّ غُلاَماً أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلاَماً يعَلِّمُهُ. وَكَانَ في طَريقِهِ، إِذَا سَلَكَ، رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ، وَسَمِعَ كَلاَمهُ فأَعْجَبهُ. وَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بالرَّاهِب، وَقَعَدَ إِلَيْه. فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ، ضَرَبَهُ. فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، قالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِر، فَقُلْ: حبَسَنِي أَهْلي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحرُ. فَبيْنَمَا هُو عَلَى ذَلِكَ، إذْ أتَى عَلَى دابَّةٍ عظِيمَة قدْ حَبَسَت النَّاس، فَقَالَ: اليوْمَ أعْلَمُ؛ السَّاحِرُ أفْضَل، أم الرَّاهبُ أفْضلَ؟ فأخَذَ حجَراً، فقالَ: اللهُمَّ، إنْ كَانَ أمْرُ الرَّاهب أحَبَّ إلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فاقتُلْ هَذِهِ الدَّابَّة، حتَّى يمْضِيَ النَّاسُ. فرَماها، فقتَلَها ومَضى النَّاسُ. فأتَى الرَّاهب فأخبَرهُ. فَقَالَ لهُ الرَّاهبُ: أىْ بُنيَّ، أَنْتَ اليوْمَ أفْضلُ منِّي. قدْ بلَغَ مِنْ أمْركَ مَا أَرَى، وإِنَّكَ ستُبْتَلَى. فإنِ ابْتُليتَ فَلاَ تدُلَّ عليَّ. وكانَ الغُلامُ يبْرئُ الأكْمةَ والأبرصَ، ويدَاوي النَّاس مِنْ سائِرِ الأدوَاءِ. فَسَمعَ جلِيسٌ للملِكِ كانَ قدْ عمِىَ، فأتَاهُ بهداياَ كثيرَةٍ فقال: ما هاهُنَا لَكَ أجْمَعُ إنْ أنْتَ شفَيْتني. فَقَالَ إنِّي لا أشفِي أحَداً، إِنَّمَا يشْفِي اللهُ تعَالى. فإنْ آمنْتَ بِاللَّهِ تعَالَى دعوْتُ اللهَ، فشَفاكَ. فآمَنَ باللَّه تعَالى، فشفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى. فأتَى المَلِكَ، فجَلَس إليْهِ كَما كانَ يجْلِسُ، فقالَ لَهُ المَلكُ: منْ ردَّ علَيْك بصَرك؟ قَالَ: ربِّي. قَالَ: ولكَ ربٌّ غيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وربُّكَ اللهُ. فأَخَذَهُ، فلَمْ يزلْ يُعذِّبُهُ حتَّى دلَّ عَلَى الغُلاَمِ. فجئَ بِالغُلاَمِ، فَقَالَ لهُ المَلكُ: أىْ بُنَيَّ، قدْ بَلَغَ منْ سِحْرِك مَا تبْرئُ الأكمَهَ والأبرَصَ، وتَفْعلُ وَتفْعَلُ. فقالَ: إِنَّي لا أشْفي أَحَداً، إنَّما يشْفي الله تَعَالَى. فأخَذَهُ، فَلَمْ يزَلْ يعذِّبُهُ حتَّى دلَّ عَلَى الرَّاهبِ. فجِئ بالرَّاهِبِ، فَقيلَ لَهُ: ارجَعْ عنْ دِينكَ، فأبَى. فدَعا بالمنْشَار، فوُضِع المنْشَارُ في مفْرقِ رأْسِهِ، فشقَّهُ حتى وقَعَ شقَّاهُ، ثُمَّ جيء بجَلِيسِ المَلكِ، فقِيلَ لَهُ: ارجِعْ عنْ دينِكَ، فأبَى، فوُضِعَ المنْشَارُ في مفْرِقِ رَأسِهِ، فشقَّهُ به حتَّى وقَع شقَّاهُ. ثُمَّ جيء بالغُلامِ، فقِيل لَهُ: ارجِعْ عنْ دينِكَ. فأبَى، فدَفعَهُ إِلَى نَفَرٍ منْ أصْحابِهِ فَقَالَ: اذهبُوا بِهِ إِلَى جبَلِ كَذَا وكذَا، فاصعدُوا بِهِ الجبلَ، فإذَا بلغتُمْ ذروتهُ، فإنْ رجعَ عنْ دينِهِ وإِلاَّ فاطرَحوهُ. فذهبُوا بِهِ، فصعدُوا بهِ الجَبَل، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكفنِيهمْ بمَا شئْت، فرجَف بِهمُ الجَبَلُ، فسَقطُوا. وجَاءَ يمْشي إِلَى المَلِكِ، فقالَ لَهُ المَلكُ: مَا فَعَلَ أَصحَابكَ؟ فقالَ: كفانيهِمُ الله تعالَى. فدفعَهُ إِلَى نَفَرَ منْ أصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذهبُوا بِهِ فاحملُوه في قُرقُور، وَتَوسَّطُوا بِهِ البحْرَ، فإنْ رَجَعَ عنْ دينِهِ، وإلاَّ فَاقْذفُوهُ. فذَهبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكفنِيهمْ بمَا شِئْت، فانكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفينةُ فغرِقوا. وجَاءَ يمْشِي إِلَى المَلِك. فقالَ لَهُ الملِكُ: مَا فَعَلَ أَصحَابكَ؟ فَقَالَ: كفانِيهمُ الله تعالَى. فقالَ للمَلِكِ، إنَّك لسْتَ بقَاتِلِي، حتَّى تفْعلَ مَا آمُركَ بِهِ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تجْمَعُ النَّاس في صَعيدٍ واحدٍ، وتصلُبُني عَلَى جذْعٍ، ثُمَّ خُذ سهْماً مِنْ كنَانتِي، ثُمَّ ضعِ السَّهْمِ في كَبدِ القَوْسِ، ثُمَّ قُل: بسْمِ اللَّهِ، ربِّ الغُلاَمِ... ثُمَّ ارمِنِي، فإنَّكَ، إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ... قَتَلْتنِي. فجَمَع النَّاس في صَعيدٍ واحِدٍ، وصلَبَهُ عَلَى جذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سهْماً منْ كنَانَتِهِ، ثُمَّ وضَعَ السَّهمَ في كبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِسْم اللَّه،ِ رَبِّ الغُلامِ، ثُمَّ رمَاهُ فَوقَعَ السَّهمُ في صُدْغِهِ، فَوضَعَ يدَهُ في صُدْغِهِ فمَاتَ. فقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلاَمِ، فَأُتِىَ المَلكُ، فَقِيلُ لَهُ: أَرَأَيْت مَا كُنْت تحْذَر؛ قَدْ وَاللَّه، نَزَلَ بِك حَذرُكَ. قدْ آمنَ النَّاسُ. فأَمَرَ بِالأخدُودِ بأفْوَاهِ السِّكك، فخُدَّتَ وَأضْرِمَ فِيها النيرانُ، وقالَ: مَنْ لَمْ يرْجَعْ عنْ دينِهِ فأقْحمُوهُ فِيهَا، أوْ قيلَ لَهُ: اقْتَحمْ، ففعَلُوا. حتَّى جَاءتِ امرَأَةٌ ومعَهَا صَبِيٌّ لهَا، فَتقَاعَسَت أنْ تَقعَ فِيهَا. فَقَالَ لَهَا الغُلاَمُ: يَا أمَّاهْ، اصبِرِي، فَإِنَّكَ عَلَي الحَقِّ]
روَاهُ مُسْلَمٌ
مفردات الحديث
- الأكمه: يولد أعمى
- كنانتي: الجعبة التي فيها السهام
- كبد القوس: مجرى السهم من القوس
- صدغه: بين العينين والأذنين
- بأفواه السّكك: الزقاق والطريق
فوائد الحديث
- جواز الكذب لإنقاذ النفس أوالغير من الهلاك، أو للإصلاح
- اعتراف العالم بالفضل، لمن هو أفضل منه، كاعتراف الراهب للغلام بالفضل.
- الله جل وعلا، قد نفع به، يبرئ الأكمة والأبرص، ويشفي المريض من أمراض كثيرة، بسبب ما تعلم من الراهب. ويقول للناس: إني لا أشفي، إنما يشفي الله؛ إنما أنا أتسبب، والشافي هو الله سبحانه وتعالى.
- التضحية في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، وإظهار الحقّ.
- المؤمن لا بدّ أن يُبتلى بهذه الدار، فالواجب عليه الصبر.
- شرعنا جاء بالرخصة في الإكراه، وجواز الأخذ بالعزيمة.
- الملك الجائر الخبيث، فيمن قبلنا، كان عنده ساحر يخبره ببعض المغيبات، التي يسترقها من الشياطين، التي تسترق السمع من السماء... فمنعت عند ولادة النبي، صلى الله عليه وسلم.
- هذه القصة ذكرت في سورة البروج {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُود}
31
باب الصبر
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَال: [اتَّقِي الله وَاصْبِرِي] فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنِّكَ لَمْ تُصَبْ بمُصِيبتي، وَلَمْ تعْرفْهُ، فَقيلَ لَها: إِنَّه النَّبِيُّ ﷺ، فَأَتتْ بَابَ النَّبِّي ﷺ، فلَمْ تَجِد عِنْدَهُ بَوَّابينَ، فَقالتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فقالَ: [إِنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأولَى] . وفي رواية لمُسْلمٍ: تَبْكِي عَلَى صَبيٍّ لَهَا
متفقٌ عَلَيهِ
مفردات الحديث
- اتقي الله: خافي غضبه، كأنّه كان في بكائها قدر زائد من نوحٍ.
- الصّدمة: المكروه يحصل بغتة.
فوائد الحديث
- أساءت المرأة الأدب مع النبي من شدة وقع المصيبة عليها.
- حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، ودعوته إلى الحق وإلى الخير.
- الإنسان يُعذر بالجهل، سواء أكان جهلًا بالحكم الشرعي أم جهلًا بالحال.
- جواز زيارة النساء للقبور لأنه لو كان منكراً لنهاها النبيّ صلى الله عليه وسلم.
- ملازمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع احتمال الأذى عند بذل النصيحة.
- الصبر الذي يحمد هو ما كان عند مفاجأة المصيبة.
- المصائب مقدرة، وقد مضى بها علم الله وتقديره، فعليك بالصبر والاحتساب وعدم الجزع وسؤال الله تعالى أن يمنحك الصبر وأن يعوضك خيرًا مما أخذ منك وأن يضاعف لك الأجر.
32
باب الصبر
عَنْ أَبي هَرَيرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهﷺ قالَ [يَقولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبهُ إِلاَّ الجَنَّة]
رواه البخاري
مفردات الحديث
- صفيّه: محبوبه، كالولد والأخ و...
- احتسبه: طلب الأجر من الله تعالى.
فوائد الحديث
- إذا احتسب فالله يجازيه على ذلك بالجنة والكرامة، وإن جزع فليس له إلا الجزع ليس له إلا الغضب.
- يخفف من وقع المصيبة أن يتأمل العبد الأجر اذا احتسبه.
- المؤمن بنبغي أن يكون صبورًا عند البلاء، شكورًا عند الرخاء.
- الجزع لا يرد الفائت، ولا يرد المصيبة... ولكن يأتي بالوزر والإثم.
- المبادرة إلى طلب الأجر عند المصيبة.
- الإيمان أساس العمل الصالح، المعين على الصبر.
33
باب الصبر
عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ [كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ فِي الطَّاعُونِ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيد]
رواه البخاري
مفردات الحديث
- الطاعون: وباء معين، وقيل: إنه كل وباء عام يحل بالأرض، فيصيب أهلها ويموت الناس منه.
- قال فيه رسول اللهﷺ [إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقَدُمُوا عَلَيْهِ. وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ] - لأنك مهما فررت من قدر الله، إذا نزل، لن يغني عنك من الله شيئًا.
- إذا صبر وبقي، واحتسب الأجر، وعَلِم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، ثم مات به، فإنه يُكتب له مثل أجر الشهيد. وهذا من نعمة الله عز وجل.
- المقصود بالشهادة هنا، هي أنه يحصل له أجر الشهيد... بأحكام الآخرة، وليس ذلك بحسب الدنيا.
- في الحديث دلالة نصية صريحة على أن الله تعالى يعذب بالأمراض التي تنتشر في الناس.
- ويدل على ذلك الحديث [وما انتشرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا عمتهم الأوجاع والطواعينأ التي لم تكن في أسلافهم]
- نسوا أن الله تعالى يمهل ولا يهمل.
34
باب الصبر
وعَنْ أَنسٍ، رضي الله عنه، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهﷺ يقولُ [إنَّ اللَّه عز وجل قال: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبدِي بـ (حبيبتَيْهِ) فَصبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجنَّة]... يُريدُ عينيْه
رواه البخاريُّ
فوائد الحديث
- هذا الحديث من جملة الأحاديث القدسية.
- بحبيبتيه: يريد عينيه.
- ابتلاء الله عبده في الدنيا، ليس من سخطه عليه، بل، إما لدفْع مكروه، أو لكفَّارة ذنوبٍ، أو لرفع منزلةٍ. فإذا تلقَّى ذلك بالرضا، تَمَّ له المراد (الجنة).
- المؤمن يَصبر، مستحضرًا ما وعد الله به الصابر من الثواب.
35
باب الصبر
عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَباحٍ، قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَلَا أُرِيَكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّودَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: إِني أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ تَعَالَى لِي. قَالَ [إِنْ شِئْتِ، صَبَرتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ. وَإِنْ شِئْتِ، دَعَوتُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُعَافِيَكِ]، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ. فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفُ، فَدَعَا لَهَا
متفق عليه
فوائد الحديث
- المرأة السائلة: هي أُمُّ زُفر الحبشِية الأسدية، السوْداء، الطّويْلة، الصحابيّة الصّابرة. قيل إنها ماشطة خديجة، رضي الله عنها، التي كانت تغشى النبيﷺ، بعد وفاة خديجة، رضي الله عنها، فيكرمها.
- "أُصْرَعُ": والصَّرْعُ؛ مرض يطرحُ المريض بالأرض.
- الصرع، نعوذ بالله منه، نوعان: قسم صرع، بسبب تشنج الأعصاب. وهذا مرض عضوي، يمكن أن يعالج من قِبَل الأطباء. وقسم آخر بسبب الشياطين والجن.
- في الحديث بشارة عظيمة، وفضيلة ظاهرة للصّابر على الصّرع وبلواه، بتكفير الخطايا، وزيادة الحسنات، ودخول الجنة.
- وفيه التخيير النبوي الحكيم؛ يؤكد العناية برأي المرأة! في تقرير مصيرها.
- وفيه أن الأخذ بالشدة أفضل، لمن علم من نفسه أنه يطيق الصبر عليها، ولا يضعف عن التزامها.
- وفيه تميّزُ تلك المرأة بخلق الحياء، وتمسكها به، واعتزازُها المتين يأبى أن تتخلى عنه في أصعب المواقف، حيث تصرع، وتسقط على الأرض، فتنكشف ويبدو شيء من جسدها! هذا الحياء، ثمرة من ثمرات إيمانها. يلحُّ عليها أن تسأل رسول اللهﷺ الدعاء لها بالستر والحشمة! وإن كانت معذورة بالصرع، مضمونةً لها الجنة. - فأين بنات المسلمين من هذه؟!
36
باب الصبر
عن عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَهُوَ يَقُولُ [اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ]
متفق عليه
فوائد الحديث
- هذا الحديث، يحكي النبيﷺ فيه شيئًا مما جرى لنبي من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام
- ضربوه ضرباً سال منه الدم، وهذا يدل على أنه مبرح، ضرب شديد مدمٍ.
- الله، تبارك وتعالى، يبتلي الرّسل، ويصيبهم من العناء والأذى من الناس ما يكون رفعة لدرجاتهم، وذلك أعظم في أجورهم.
- فهم أهل لها في التحمل، والتبليغ والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ذلك. وكان الرسل، عليهم الصلاة والسلام، يُؤْذَون بالقول وبالفعل.
- دعا لهم الرسول بالمغفرة، التي تتضمن الستر، والتجاوز عن الإساءة، واعتذر لهم أيضاً على هذه الإساءة، فإنهم لا يعلمون. فالفاء للتعليل... أنهم فعلوا ذلك لجهلهم، لعدم علمهم.
- يقول [اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون] وهذا غاية ما يكون من الصبر؛ لأن الإنسان لو ضُرِب على شيء من الدنيا لاستشاط غضبًا، وانتَقم ممن ضربه.
- والعبرة من هذا أن نصبر على ما نُؤذَى به، من قول أو فعل، في سبيل الدعوة إلى الله. فالعفو من صفات الجمال والكمال الخُلقي، ولنبينا، صلى الله عليه وسلم، النصيب الأوفى منه.
37
باب الصبر
عنْ أَبي سَعيدٍ وأَبي هُرَيْرة، رضيَ اللَّه عَنْهُمَا، عن النَّبيِّﷺ، قَالَ [مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن، وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ؛ حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه]
متفقٌ عَلَيهِ
مفردات الحديث
- النصب: التعب.
- الوصب: المرض
- الأذى: هو كل ما لا يلائم النفس.
- الغم: هو أبلغ من الحزن يشتد بمن قام به.
- يشاكها: تشكه، وتدخل في جسده.
- خطاياه: ذنوبه.
فوائد الحديث
- الإنسان، بما يصيبه من الهمّ والنّصب، والغم وغير هذا، تكون تكفيرًا لسيئاته، وحطًا لذنوبه.
- الإنسان، إذا أصيب، ولو بشوكة، فليتذكر الاحتساب من الله على هذه المصيبة.
- من نعم الله سبحانه وتعالى، وجوده وكرمه، حيث يبتلي المؤمن، ثم يثيبه على هذه البلوى، أو يكفر عنه سيئاته.
38
باب الصبر
عن ابْن مسْعُود، رضي الله عنه، قَالَ: دَخلْتُ عَلى النَبيِّﷺ، وَهُو يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رسُولَ اللَّه، إِنَّكَ تُوعكُ وَعْكاً شَدِيداً. قَالَ [أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُم]. قُلْتُ: ذلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْريْن؟ قَالَ [أَجَلْ، ذَلك كَذَلك. مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شوْكَةٌ فَمَا فوْقَهَا، إلاَّ كَفَّر اللَّه بهَا سَيِّئَاتِهِ، وَحطَّتْ عنْهُ ذُنُوبُهُ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجرةُ وَرقَهَا]
متفقٌ عَلَيهِ
مفردات الحديث
- الوعك: مَغْثُ الحمى أي ألمها.
فوائد الحديث
- النبيﷺ، وهو أفضل من وطئ على الأرضﷺ، كان يصيبه من ألم الحمى ما يقع على رجُلين اثنين.
- المُسلِم يُصِيبُه أذًى، من مَرَض فما سواه، ويصبر عليه، إلَّا كفَّر اللهُ سيِّئاتِه كما تَحُطُّ الشَّجَرَةُ اوراقها.
39
باب الصبر
عنْ أَبي هُرَيرة، رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّهِﷺ [مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ] من أراد الله تعالى به خيراً في الدنيا وفي الآخرة، برفع الدرجات، وحطِّ الخطايا والسيئات، وتعظيم الأجور، فإنه يرسل إليه ألوان المكاره، فيصب منه في نفسه، بالأوجاع والأمراض، والهموم والأمور المؤلمة المتنوعة، التي يسوقها إليه، مما يكدر خاطره
رواه البخاري
40
باب الصبر
عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوتَ لِضُرٍّ أَصَابَهُ. فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيرًا لِي، وَتَوفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي]
متفق عليه
فوائد الحديث
- لضُرّ أَصَابَهُ: يعني بذلك الضرر الدنيوي، كالمرض والابتلاء في المال والأولاد، وما أشبه ذلك.
- نهى النبيﷺ، إذا نزل الضر بإنسان، يعجز عن التحمل، ويتعب، أن يتمنى الموت؛ سواء قال ذلك بلسانه أو بقلبه.
- أما إذا خاف ضرراً في دينه، كالفتنة، فإنه لا حرج من تمني الموت، وهو جائز.
- يُكره للمسلم أن يتمنى الموت. بل عليه أن يصبر ويستعين بالله تعالى، ويسأل الله تعالى أن يفرج عنه ما هو فيه من الهم، ويكون ذلك خيرًا له.
- أما أن تمنى الموت، فلا يدري، ربما يكون الموت شرًّا عليه... لا يحصل به راحة.
- الإنسان، ربما يموت إلى عقوبة -والعياذ بالله- وإلى عذاب قبر. وإذا بقي في الدنيا، فربما يستعتب ويتوب، ويرجع إلى الله، فيكون خيرًا له.
41
باب الصبر
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ متَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ [قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ، فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُجْعَلُ نِصْفَينِ. وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. وَاللهِ، لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ]
رواه البخاري
فوائد الحديث
- في هذا الحديث آية من آيات الله؛ حيث وقع الأمر مطابقًا لما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام.
- ليس في الحديث تصريحٌ بأنهﷺ، لم يدعُ لهم، بل يُحتمل أنه دعا، وإنما قال [قد كان مَن قبلكم يؤخذ... إلخ،] تسليةً لهم، وإشارةً إلى الصبر المطلوب.
- تحمُّلَ أصحاب النبي الأذى والاضطهادَ، في البدايات الأُولى للدعوة الإسلامية؛ ليعلمَ الخلَفُ أن هذا الدينَ إنما جاء إلينا بجهدٍ واجتهادٍ، وصبر ومثابرة من السلف.
- الواجب على الإنسان أن يقابل ما يحصل، من أذية الكفار، بالصبر والاحتساب وانتظار الفرج، ولا يظن أن الأمر ينتهي بسرعة، وينتهي بسهولة. قد يبتلي الله عز وجل المؤمنين بالكفار يؤذونهم، وربما يقتلونهم.
42
باب الصبر
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ حُنَينٍ، آثَرَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِثْلَ ذَلِكَ. وَأَعْطَى نَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ، وَآثَرَهُمْ، يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ. فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ، إِنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ. فَقُلْتُ: وَاللهِ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ، ثُمَّ قَالَ [فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ؟] ثُمَّ قَالَ [يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى؛ قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَصَبَرَ]. فَقُلْتُ: لَا جَرَمَ؛ لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا
متفق عليه
فوائد الحديث
- في الحديث دليل على أن للإمام أن يعطي من يرى في عطيته المصلحة، لأن النبيﷺ أراد أن يؤلف كبار القبائل والعشائر، من أجل أن يتقوى الإسلام؛ ولأن أسياد القوم، إذا ألفوا، حصل منهم خير كثير، وتبعهم على ذلك قبائل وعشائر، واعتز الإسلام بهذا.
- من الناس من لا تحتاج الى أن تراعيه في كثير من الأمور، فهو لا يحتاج أن يُتألف لكمال يقينه وثباته.
- الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، يُؤذَون ويصبرون، فينبغي على الإنسان أن يوطّن نفسه على احتمال الأذى والصبر والاحتساب، اقتداءً بهم؛ ويؤجر على ذلك.
- تغيّر وجه النبيﷺ حتى كان كالصِّرف: هو صبغ أحمر، لإشتداد غضبه، ومع ذلك حلم وصفح.
- قال ابن مسعود: لا جرم؛ لا أرفع الى النبيﷺ بعدها حديثا: أي، حقاً لا أنقل له موقفاً سيئاً، أو مقالة سيئة، لمّا رأى ما حل بهﷺ من ضيق.
- في الحديث بيان أن غِيبة العلماء أشد من غيبة غيرهم، لأن العلماء حملة لواء الإسلام. فإذا سقطت الثقة بأقوالهم؛ سقط لواء الإسلام.
43
باب الصبر
عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ خَيراً عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بذَنْبِهِ، حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] وَقالَ النَّبيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى، إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ. فَمَنْ رَضِيَ، فَلَهُ الرِّضَى، وَمَنْ سَخِطَ، فَلَهُ السُّخْطُ]
رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن»
فوائد الحديث
- قول الرسولﷺ [حتى يُوافِيَ به يوم القيامة]: يعني، حتى يجيء إلى الله، ويقدم على الله يوم القيامة بذنوبه، لم تكفّر.
- من علامات حب الله عزّ وجل، لعباده الأخيار، أنه يبتليهم بأنواع المصائب في الدنيا، ليطهرهم من المعايب.
- الإنسانُ لا يَخلو مِن خَطأٍ ومعصيةٍ، وتقصيرٍ في الواجبِ. ومَن لَطَف اللهُ به عَجَّلَ له عُقوبةَ ذنبِه في الدُّنيا؛ لأنَّ عذابَها أهونُ عليه مِن عذابِ الآخِرَة.
- كلما عظم البلاء عظم الجزاء، والأجر والتكفير. وهذه بشرى للمؤمن.
- المؤمن، إذا ابتُلي بالمصيبة، فلا يظن أن الله سبحانه وتعالى يبغضه. بل، قد يكون هذا من علامة محبة الله، فإن رضي الإنسان واحتسب، فله الرضى، وتطيب نفسه، ويطمئن قلبه. وإن سخط، اي كره ولم يرضَ، فله السخط من الله تعالى.
44
باب الصبر
وعنْ أَنَسٍ، رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ ابْنٌ لأبي طلْحةَ، رضي الله عنه، يَشْتَكي، فَخَرَجَ أبُو طَلْحة، فَقُبِضَ الصَّبِيُّ. فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحةَ، قَالَ: مَا فَعَلَ ابنِي؟ قَالَت أُمُّ سُلَيْم، وَهِيَ أُمُّ الصَّبيِّ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ، فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا. فَلَمَّا فرغَ، قَالَتْ: وارُوا الصَّبيَّ. فَلَمَّا أَصْبحَ أَبُو طَلْحَة أَتَى رسولَ اللَّهﷺ، فَأَخْبرهُ، فَقَالَ [أَعرَّسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟] قَالَ: نَعَمْ. قَالَ [اللَّهمَّ باركْ لَهُما]. فَولَدتْ غُلاماً، فقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حتَّى تَأَتِيَ بِهِ النبيَّﷺ. وبَعثَ مَعهُ بِتمْرَات، فَقَالَ: [أَمعهُ شْيء؟] قَالَ: نعمْ، تَمراتٌ. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّﷺ، فَمضَغَهَا، ثُمَّ أَخذَهَا مِنْ فِيهِ، فَجَعَلَهَا في فِيِّ الصَّبيِّ... ثُمَّ حَنَّكَه وسمَّاهُ عبدَاللَّه وفي روايةٍ للْبُخَاريِّ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَة: فَقَالَ رجُلٌ منَ الأَنْصارِ: فَرَأَيْتُ تَسعة أَوْلادٍ؛ كلُّهُمْ قدْ قَرؤُوا الْقُرْآنَ، يعْنِي مِنْ أَوْلادِ عَبْدِ اللَّه الْموْلُود. وَفي روايةٍ لمسلِم: ماتَ ابْنٌ لأبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ لأهْلِهَا: لاَ تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بابنِهِ حتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ. فَجَاءَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً، فَأَكَلَ وشَرِبَ، ثُمَّ تَصنَّعتْ لهُ أَحْسنَ مَا كانتْ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذلكَ، فَوقَعَ بِهَا. فَلَمَّا أَنْ رأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعِ، وأَصَابَ مِنْها، قَالتْ: يَا أَبَا طلْحةَ، أَرَأيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْماً أَعارُوا عارِيتهُمْ أَهْل بيْتٍ، فَطَلبوا عاريَتَهُم؟ ألَهُمْ أَنْ يمْنَعُوهم؟ قَالَ: لا. فَقَالَتْ: فاحتسِبْ ابْنَكَ. قَالَ: فغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: تركتنِي، حتَّى إِذَا تَلطَّخْتُ، ثُمَّ أَخْبرتِني بِابْني؟ فَانْطَلَقَ حتَّى أَتَى رسولَ اللَّهﷺ فأخْبَرهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رسولُ اللَّهﷺ [بَاركَ اللَّه لكُما في ليْلتِكُما] قَالَ: فحملَتْ. قَالَ: وكَانَ رسولُ اللَّهﷺ في سفَرٍ، وهِي مَعَهُ. وكَانَ رسولُ اللَّهﷺ، إِذَا أَتَى الْمَدِينَةِ مِنْ سَفَرٍ لاَ يَطْرُقُها طُرُوقاً. فَدنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَضَرَبَهَا الْمَخاضُ، فَاحْتَبَس عَلَيْهَا أَبُو طلْحَةَ، وانْطلَقَ رسولُ اللَّهﷺ. قَالَ: يقُولُ أَبُو طَلْحةَ: إِنَّكَ لتعلمُ يَا ربِّ أَنَّهُ يعْجبُنِي أَنْ أَخْرُجَ معَ رسولِ اللَّهﷺ إِذَا خَرَجَ، وأَدْخُلَ مَعهُ إِذَا دَخَلَ. وقَدِ احْتَبَسْتُ بِما تَرى. تقولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أَبَا طلْحةَ، مَا أَجِد الَّذي كنْتُ أَجِدُ. انْطَلِقْ! فانْطَلقْنَا، وضَربهَا المَخاضُ حينَ قَدِمَا، فَولَدتْ غُلاماً. فقالَتْ لِي أُمِّي: يا أَنَسُ، لا يُرْضِعُهُ أَحدٌ؛ تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رسُول اللَّهﷺ. فلمَّا أَصْبحَ، احتملْتُهُ، فانطَلقْتُ بِهِ إِلَى رسولِ اللَّهﷺ... وذَكَرَ تمامَ الْحَدِيثِ
متفقٌ عَلَيهِ
فوائد الحديث
- مثال رائع، وقصة مؤثرة لمن ابتلي بفقد الولد، فاستقبل البلاء، بالصبر واليقين، والرضا بقضاء رب العالمين.
- قوة صبر أم سليم، رضي الله عنها.
- قوله [وأصابَ منها] كناية عن الجماع، وكنَّى به، لأنه أمر يُستحيا منه. ولأنَّ في الكناية أدب إسلامي رفيع.
- التحنيك: مضغ الشيء، ووضعه في فم الصبي، ثم يُدلك حنكه، وأفضله التمر. فإن لم يتيسَّر تمرٌ، فرطب، وإلا فشيء حلوٌ.
- بركة ريق الرسولﷺ، والتمر الذي يحنَّك به الصِّبيان، لما فيه من خير وفائدة للمعدة.
- جواز التورية؛ يعني، أن يتكلم الإنسان بكلام يُخالف نيَّته، ولكنه، لا ينبغي إلا للحاجة والمصلحَة، أو دفع مضرَّة، وإلا نسب هذا المواري إلى الكذب.
- الأولاد عندنا عارية، وهم ملك لله عز وجل؛ متى شاء أخذهم. فعلى المؤمن أن يقتنع، ويحتسب الأجر على الله سبحانه وتعالى.
- فضيلة الصبر والاحتساب، حال وقوع المصائب.
- بركة دعاء النبيﷺ، حيث إنه كان لعبد الله تسعة من الولد؛ كلهم يَقرؤون القرآن.
- بيان حال أم سليم من التجلُّد، وجَودة الرأي، وقوة العزم. وكانت، رضي الله عنها، تشهد القتال، وتقوم بخدمة المُجاهِدين، إلى غير ذلك مما انفردَت به عن معظم النِّسوة.
- المخاض هو: وجع الولادة نتيجة تحرُّك الجنين في بطن أمِّه للخروج.
- يبيِّن لنا أنس، رضي الله عنه، أنَّ الذي مات هو ابن لزوجِ أمِّه، مِن والدته أمِّ سُليم، وليس من امرأة أخرى لأبي طلحة. فالذي مات ليس شقيقًا له؛ وإنَّما أخ له من أُمِّه.
45
باب الصبر
وعنْ أَبِي هُريرةَ، رضي الله عنه، أَن رسولَ اللَّهﷺ قَالَ [لَيْسَ الشديدُ بالصُّرَعةِ، إِنمَّا الشديدُ الَّذي يمْلِكُ نَفسَهُ عِنْد الْغَضَبِ]
متفقٌ عَلَيهِ
فوائد الحديث
- ليس الشديد بالصُّرَعة؛ أي ليس القوي الشديد حقيقةً، الذي يصرع الناس... إذا صارعهم. ولكن الشديد القوي، الذي يصرع غضبه.
- في الحديث، الحث على أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، وألا يسترسل فيه؛ لأنه يندم بعده، كثيرًا.
- المشروع للإنسان، إذا غضب أن يصبر، وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يتوضأ. فإن الوضوء يطفئ الغضب. وإن كان قائمًا، فليقعد. وإن كان قاعدًا، فليضطجع.
46
باب الصبر
وعنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدٍ، رضي الله عنه، قَالَ: كُنْتُ جالِساً مَعَ النَّبِيﷺ، ورجُلان يستَبَّانِ، وأَحدُهُمَا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وانْتفَخَتْ أودَاجهُ. فَقَالَ رسولُ اللَّهﷺ [إِنِّي لأعلَمُ كَلِمةً، لَوْ قَالَهَا، لَذَهَبَ عنْهُ مَا يجِدُ. لوْ قَالَ: أَعْوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ذَهَبَ منْهُ مَا يجد].ُ فقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّﷺ قَالَ [تعوَّذْ بِاللِّهِ مِن الشَّيَطان الرَّجِيم]
متفقٌ عَلَيهِ
فوائد الحديث
- الأوداج: هي العروق الغليظة المحيطة بالعنق.
- الإنسان عرضة لأسباب الغضب، فينبغي له أن يتوقاها ويحذرها. فإذا وُجدت، وحصل معه الغضب، فليتعوذ بالله من الشيطان، وليكظم وليصبر، ولا ينفذ مقتضى غضبه.
- لمّا كان الغضب من الشيطان، كان الشيطان، إنما ينطفئ ويندحر... بالاستعاذة.
47
باب الصبر
وعنْ مُعاذ بْنِ أَنَسٍ، رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّﷺ قَالَ [مَنْ كظَمَ غَيظاً، وهُو قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالَى عَلَى رُؤُوسِ الْخلائقِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاء] ، والتِّرْمِذيُّ وَقالَ: حديثٌ حسنٌ
رواه أَبُو داوُدَ
فوائد الحديث
- كظم غيظاً: تجرّع غضبًا، واحتمله وصبر عليه.
- التحذير من الغضب وأسبابه.
- المؤمن، يجب عليه أن يتحرى الخير. وإذا عرض له عارض يوجب الغضب، فليحرص على أسباب التقوى.
- كظم الغيظ من خصال أهل التقوى، ومن الصفات الحميدة، فينبغي للمؤمن أن يجاهد نفسه في ذلك، عند وجود الغضب. أن يكظم الغيظ ويعفو ويصفح، ولا ينتقم، ويرجو ما عند الله من المثوبة.
48
باب الصبر
وعنْ أَبِي هُريْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلاً قَالَ للنَّبِيِّﷺ: أوْصِني. قَالَ [لا تَغضَبْ] فَردَّدَ مِراراً. قَالَ [لا تَغْضَبْ]
رواه البخاريُّ
فوائد الحديث
- التحذير من الغضب وأسبابه، وذلك، لعظم ما يترتب عليه من الخطر. فكم من غاضب ندم غاية الندامة على فعل جريمة قتل، أو ضرب، أو طلاق، أو غير ذلك. لذا، أوصاه النبي، صلى الله عليه وسلم، بترك الغضب تكرارًا.
- الحث على الصبر، وكظم الغيظ، وعدم المسارعة في الانتقام؛ فإن الإنسان قد يغضبه غيره. فالواجب، النظر في العواقب، والصبر، حتى لا يقع فيما حرم الله عليه.
- الحذر من أسباب الغضب. فإذا وقع، فعلينا التعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وكظم الغيظ، وحفظ اللسان، وتغيير الحال.
- التمييز بين الغضب المذموم، ما كان لأمور الدنيا، والغضب المحمود... ما كان لله، ولنصرة دينه.
49
باب الصبر
وَعَنْ أَبي هُرَيْرةَ، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِﷺ [مَا يَزَال الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمؤمِنَةِ في نَفْسِهِ وَولَدِهِ ومَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّه تَعَالَى، وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ]
رواه التِّرْمِذيُّ وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحِيحٌ
فوائد الحديث
- الصبر يكون على طاعة الله عز وجل، بفعل أوامره وترك نواهيه. ويكون بحبس النفس، والصبر على المصائب، عند وقوع الأقدار المؤلمة.
- المؤمن، قد يحصل له هذا الإيلام في النفس والولد والمال. حتى لو حصل له فيما دون ذلك، يؤجر، ويكفر عنه من الخطايا والسيئات،
- وإذا تأمل هذا المعنى يهون عليه ما يلقاه من الآلام، مرة بعد مرة.
- للبلاء فوائدَ عظيمة، لو علِمها المبتلى، لهانت عليه المصائب، ورضي ولم يسخط، فأن البلاء يغفر الخطايا، ويغسل الذنوب، ويرفع درجات في الجنة، لأنه يعجل العقوبة في الدنيا؛ حتى يموت الإنسان وليس عليه ذنب يحاسب عليه، فيلقى الله عز وجل، وهو راض عنه.
50
باب الصبر
عَنْ ابْن عَبَاسٍ، رضي اللَّه عنهما، قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَة بْنُ حِصْنٍ فَنَزلَ عَلَى ابْنِ أَخيِهِ، الْحُر بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِن النَّفَرِ الَّذِين يُدْنِيهِمْ عُمرُ، رضي الله عنه. وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحابَ مَجْلِسِ عُمَرَ، رضي الله عنه، وَمُشاوَرَتِهِ، كُهولاً كَانُوا أَوْ شُبَّاناً. فَقَالَ عُييْنَةُ لابْنِ أَخيِهِ: يَا ابْنَ أَخِى، لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأمِير،ِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ. فاستَأذنَ، فَأَذِنَ لَهُ عُمرُ. فَلَمَّا دخَلَ، قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّاب، فَوَاللَّه، مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَلا تَحْكُمُ فِينَا بالْعَدْل. فَغَضِبَ عُمَرُ، رضي الله عنه، حتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّه تعَالى قَال لِنبِيِّهِﷺ {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الأعراف: 198، وإنَّ هَذَا مِنَ الجاهلي. وَاللَّه، مَا جاوَزَها عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا، وكَانَ وَقَّافاً عِنْد كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى
رواه البخاري
فوائد الحديث
- لك وجه عند هذا الأمير، أي: لك منزلة عنده.
- في هذا الحديث منقبة لعمر، رضي الله عنه، وحث على التأسي به عندما يتكلم الجهال، بما يغضب المسؤول من الأمراء أو القضاة؛ لا بدّ من الصبر والتحمل، واحتساب الأجر.
- لم يكن إعراض عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وهو من هو، لا ذُلًّا ولا خُنُوعًا، فهو قادرٌ على أن يبطش بالرجل الذي تكلم، لكنه امتثل لأمر الله، وأعرض عن الجاهلين.
- ينبغي على كل مسلم التحمل والصبر، وعدم العجلة في الانتقام.
51
باب الصبر
عَن ابْنِ مسْعُودٍ، رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللَّهﷺ قَالَ [إِنَّهَا سَتكُونُ بَعْدِى أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرونَها]. قَالُوا: يَا رسُولَ اللَّهِ، فَما تَأمرُنا؟ قالَ [تُؤَدُّونَ الْحقَّ الَّذي عَلَيْكُمْ، وتَسْألونَ اللَّه الَّذِي لكُم]
متفقٌ عَلَيهِ
فوائد الحديث
- الأثرة: أي الاستئثار والإنفراد بالشيء عمن له فيه حق.
- قولهﷺ [إنها ستكون بعدي أثَرة]. هذا من الإخبار عن الغيب المستقبل، ويريد بها إخبارهم أنه سيستولي على المسلمين ولاة، يستأثرون بأموالهم؛ يصرفونها كما يشاؤون، ويمنعون المسلمين حقَّهم فيها.
- الحثِّ على طاعة ولاة الأمور، وعدم الخروج عليهم.
- المؤمن يُؤدي ما عليه من الحقوق، ويسأل الله الذي له، ولا يفتح بابَ الفتنة؛ فإن عليه السمع والطاعة في المعروف.
52
باب الصبر
عَنْ أَبِي يَحْيَى أُسَيْدِ بْنِ حُضَيَرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا؟ فَقَالَ [إِنكُمْ سَتَلْقَونَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ]
متفق عليه
فوائد الحديث
- قوله، ألا تستعملني: أي تجعلني عاملاً؟ بمعنى، أن يوليه ولاية، أو يستعمله على الصدقة مثلاً، كجبايتها.
- أرشد النبي، عليه الصلاة والسلام، أصحابه إلى أن يصبروا، ولو وجدوا الأثرة؛ فإنَّ صبرهم على ظلم الولاة المسلمين من أسباب الورود على الحوض، والشرب منه.
- علاقة هذا الحديث بباب الصبر هي أن النبيﷺ ذكر أمراً يتطلب الصبر؛ لأن الإنسان، إذا رأى حقه يضيع، ورأى غيره يسطو عليه، فإن ذلك قد يَنْفَرِط معه الصبر. فمن صبر جزاؤه أن يلقاه على الحوض. اللهم اجعلنا جميعًا ممن يَرِدُه، ويشرب منه.
53
باب الصبر
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي أَوفَى، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي بعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، انْتَظَرَ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ [يَا أيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوا لِقَاءَ الْعَدُوِّ. وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ. فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا. وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيوفِ]. ثُمَّ قَالَ النَّبيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانصُرْنَا عَلَيْهمْ]
متفق عليه
مفردات الحديث
- اللهمّ مُنْزِل الكتاب: وهو القرآن الكريم.
- وَمُجْرِيَ السَّحَابِ: المسخر بين السماء والأرض، لأنه لا يُجريه إلا الله عز وجل
- وَهَازِمَ الْأَحْزَاب: فإن الله عز وجل وحده، هو الذي يهزم الأحزاب؛ أعداء المسلمين وأعداء الله.
فوائد الحديث
- انتظر حتى مالت الشمس: أي زالت الى جهة المغرب، من أجل أَنْ تُقْبِل البرودة، ويَكثُر الظل، وينشط الناس.
- النّهي عن تمنّي لقاء العدوّ، خشية عدم الصبر على مقاتلته. ولا ينافي هذا تمنّي الشهادة، لأن تمنّيها جائز.
- الجنة تحت ظلال السيوف، أي التي يحملها المجاهد في سبيل الله؛ لأنه، إذا قُتِل، صار من أهل الجنة.
- توسَّل النبي، عليه الصلاة والسلام، بالآيات الشرعية والآيات الكونية.
54
باب الصدق
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ [إنَّ الصِّدقَ يَهْدِي إِلَى البرِّ. وَإِنَّ البر يَهدِي إِلَى الجَنَّةِ. وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصدُقُ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا. وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ. وَإِنَّ الفُجُورَ يَهدِي إِلَى النَّارِ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ، حَتَّى يُكتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا]
متفق عليه
مفردات الحديث
- الصدق: مطابقة القول للفعل وللواقع. ومتى طابقت أعمال الجوارح ما في القلب فهي صِدْق الأفعال.
- يهدي: يرشد ويوصل.
- البرّ: العمل الصالح وكثرة الخير.
- الكذب هو الإخبار بما يخالف الواقع، سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل.
- الفجور: الخروج عن طاعة الله؛ إلى معصيته، وأعظم الفجور الكفر، والعياذ بالله.
فوائد الحديث
- البرّ من نتائج الصدق، وسبب دخول الجنة.
- الذي يتحرى الصدق يُكتب عند الله صديقًا. ومعلوم أن الصِّدِّيقية درجة عظيمة، لا ينالها إلا أفذاذ من الناس، وتكون في الرجال... وتكون في النساء.
- الكذب لا يجوز مطلقًا؛ لا مزحًا، ولا جِدًّا.
- الكذب من الأمور المحرمة؛ بل إنه من كبائر الذنوب؛ لأن الرسول، صلّى الله عليه وسلم، توعده... بأنه يُكتب عند الله كذابًا.
- يستثنى من الكذب ثلاثة أشياء: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث المرأة زوجها، وحديثه إياها.
55
باب الصدق
عن الحسن بن علي، رضي الله عنهما، قال: حفظت من رسول الله، صلّى الله عليه وسلم [دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ]
رواه الترمذي
مفردات الحديث
- دَعْ: اترك.
- يريبك: ما فيه شك
فوائد الحديث
- أن ما اشتبه حاله على الإنسان فتردَّد بين كونه حلالًا أو حرامًا، فاللائق بحاله تركُه، والذهابُ إلى ما يعلم حاله ويعرف أنه حلال، سواء أكان في أمور الدنيا أم في أمور الآخرة.
- الحديث أصل عظيم في الورع والحث عليه، ويُرشد فيه النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى اجتناب كل ما فيه شبهة، والتزام الحلال الواضح المتيقن منه.
- هذا الحديث من جوامع الكلم، ومن الحِكم النبوية البليغة؛ فهو بكلماته القليلة قعَّد قاعدة عظيمة فقهية مهمة تدخل في أبواب كثيرة من الأحكام، ونصّ القاعدة: " اليقين لا يزول بالشك "، فنطرح الشك ونأخذ باليقين.
56
باب الصدق
عَنْ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي حديثه الطويل في قصةِ هِرَقْلَ - قَالَ هِرقْلُ: فَمَاذَا يَأَمُرُكُمْ؟ – يعني، النبي، صلّى الله عليه وسلم - قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ، يَقُولُ [اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ لَا تُشْرِكوُا بِهِ شَيئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ]... وَيَأْمُرُنَا بالصَّلَاةِ، وَالصِّدْقِ، والْعَفَافِ، وَالصِّلَةِ
متفق عليه
فوائد الحديث
- التوحيد هو الأصل المشترك، بين الشرائع السماويّة كلها
- خصِّصت هذه الأمور الأربعة (الصَّلاة والصِّدق والعفاف والصِّلة) بالذكر، إشارة إلى تمام مكارم الأخلاق، التي يدعو إليها الإسلام.
- النبي، عليه الصلاة والسلام، يأمرنا بالصدق. والصدق قسمان: صدقٌ مع الله، وصدقٌ مع عباد الله؛ وكلاهما من الأخلاق الفاضلة.
- الصدق، للدين الإسلامي، عنواناً. لذلك، كان أول ما أمر به، صلّى الله عليه وسلم، من الأخلاق الحسنة.
57
باب الصدق
عَنْ أَبِي ثَابِتٍ، وَقِيلَ: أَبِي سَعِيدٍ، وَقِيلَ: أَبِي الْوَلِيدِ، سَهْلِ بْن حُنَيْفٍ، وَهُوَ بدريٌّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَال [مَنْ سَأَلَ اللهَ تَعَالَى الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِه]
رواه مسلم
فوائد الحديث
- اختلف في لقب سهل بن حنيف، رضي الله عنه.
- الشهادة: الموت في سبيل الله.
- بصدق: يتمنّاها من قلبه، وعلم ربّه منه صدق قوله ونيته، أنزله الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه.
- استحباب سؤال الشهادة في سبيل الله.
58
باب الصدق
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [غَزَا نبيٌّ مِنَ الْأنْبِياءِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهمْ، فَقَالَ لِقَومهِ: «لَا يَتْبَعَنِّي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُريدُ أَنْ يَبْنِي بِهَا، وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا. وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا لَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا. وَلَا أحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ. وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَوْلَادَهَا». فَغَزا، فَدَنَا مِنَ القَرْيَةِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، أَوْ قَريبًا مِنْ ذلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: «إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ، وَأَنَا مَأْمُورٌ. اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا»، فَحُبِسَتْ، حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيهِ، فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ. فَجَاءَتْ -يَعْنِي النَّارَ- لِتَأْكُلَهَا، فَلَمْ تَطعَمْهَا. فَقَالَ: «إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا، فَلْيُبَايعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ». فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «فِيكُمُ الغُلُولُ، فَلتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ». فَلَزقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ. فَقَالَ: «فِيكُمُ الْغُلُولَ». فَجَاؤُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَوَضَعَهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا. فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ قَبْلَنَا. ثُمَّ أَحَلَّ اللهُ لَنَا الْغَنَائِمَ، لَمَّا رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا، فَأَحَلَّهَا لَنَا]
متفق عليه
مفردات الحديث
- مَلك بُضع امرأة: عقد عليها.
- يَبنيَ بها: كناية عن الجماع.
- الخَلِفات: النوق الحوامل.
- الغُلول: السرقة من الغنيمة قبل القِسمة.
فوائد الحديث
- ينبغي للإنسان، إذا أراد طاعة، أن يُفرِّغ قلبه وبدنه لها، حتى يأتيها وهو مشتاق إليها، وحتى يؤديها على مهل وطمأنينة، وإنشراح صدر.
- معجزات الأنبياء فيها تأييد لهم، بأي وجه كانت؛ وذلك، لأن الشمس حسب طبيعتها التي خلقها الله عليها، تجري دائمًا ولا تقف، ولا تتقدم ولا تتأخر... إلا بأمر الله عز وجل. لكن الله هنا، أمرها أن تنحبس، فطال الوقت ما بين صلاة العصر إلى الغروب.
- الغنائم، في الأمم السابقة، كانت لا تحل للغزاة. فكانوا يجمعون الغنائم، فتنزل عليها نار من السماء، فتحرقها. فجمعت الغنائم، فلم تنزل النار ولم تأكلها.
- وقوع معاقبة الجماعة بفعل سفهائها،
- إذ هُمْ قد أخفَوا مثل رأس بقرة من ذهب. فلما جيء به، ووضع مع الغنائم، أكلتها النار. وهذه من آيات الله عز وجل.
- قدرة الله عز وجل تتجلى في هذه النار تنزل من السماء، لا يُدرى من أين؛ لا هي من أشجار الأرض، ولا من حطب الأرض، بل من السماء، يأمرها الله، فتنزل فتأكل هذه الغنيمة التي جُمِعت.
- اختصاص الأمّة الإسلاميّة بأن أحلّ الله تعالى لها الغنائم، وكانت حرامًا على الأمم السابقة.
59
باب الصدق
عَنْ أَبِي خَالِدٍ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا. فَإِنْ صَدَقا وَبيَّنَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا. وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا، مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا]
متفق عليه
مفردات الحديث
- البيِّعان: هما البائع والمشتري.
- بالخيار: كل منهما يختار إمضاء البيع أو فسخه.
- ما لم يتفرّقا: أي ما داما في مكان العقد، ولم يتفرّقا بالأبدان؛ هذا ما ذهب اليه الجمهور. وقال مالك: المقصود التفرُّق بالأقوال، اي ينتهيا من ألفاظ الإيجاب والقبول.
- فإن صدقا وبيَّنا: إن صدقا فيما يصفان السلعة به من الصفات المرغوبة، وبيَّنا ما في السلعة من عيب.
- بورك لهما: كثر النفع بحصول البركة.
- كتما: أخفيا العيوب.
- محقت: ذهبت البركة.
60
باب المراقبة
عَنْ عُمَر بن الخطاب، رضي الله عنه، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ذَاتَ يَوْمٍ، إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ. حَتَّى جَلَسَ إلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم [الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إنْ اسْتَطَعْت إلَيْهِ سَبِيلًا]. قَالَ: صَدَقْت. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ. قَالَﷺ [أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّه] قَالَ: صَدَقْت. فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ. قَالَﷺ [أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك] قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ. قَالَﷺ [مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِل] قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا؟ قَالَﷺ [أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ، رِعَاءَ الشَّاءِ، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ] ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْنَا مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ [يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟] قَلَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ [فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُم]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
مفردات الحديث
- طلع علينا رجل: جبريل عليه السلام تمثل بهيئة رجل.
- أماراتها: علاماتها.
- الأمة: المملوكة.
- ربتها: سيدتها.
- حفاة: جمع حافي، وهو من لا نعال معه.
- العراة: من لا لباس عليهم.
- العالة: المقصود الفقراء.
- رعاء الشاة: جمع راعي.
- فلبثت مليا: أي مكثت مدة طويلة.
- تأويل أن تلد الأمة ربتها كثرة العقوق حتى تعامل البنت أمها وكأنها خادمة عندها، وقيل تكون المرأة أمة فتلد بنتا لسيدها، وهذه البنت تصبح سيدة.
- ومن علامات الساعة أيضا أن ترى الفقراء الذين ليسوا بأهل للغنى ولا للتطاول، قد فتح الله عليهم فيبنون البيوت الفارهة، والقصور الباهرة. والله أعلم.
61
باب المراقبة
عن أبي ذَرٍّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادةَ، وأبي عبْدِالرَّحْمنِ مُعاذِ بْنِ جبلٍ، رضيَ اللَّه عنهما، عنْ رسولِ اللَّهِﷺ، قَالَ [اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ، تَمْحُهَا. وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَن]
رواهُ التِّرْمذيُّ
مفردات الحديث
- اتق الله: اتخذ وقاية وحاجزًا، يمنعك ويحفظك من سخط الله وعقابه.
- حيثما كنت: أي، في أي زمان ومكان.
- وأتبع: ألحق.
- السيئة: الذنب الذي يصدر منك.
- تَمْحُها: تُزِلْها.
- خالِق: أي تخلَّق وجاهد نفسك، بلزوم أحسن الأخلاق في معاملة الناس.
فوائد الحديث
- التقوى ليست كلمة تقال، أو شعاراً يرفع، بل هي منهج حياة؛ يترفّع فيه المؤمن عن لذائذ الدنيا الفانية، ويجتهد فيه، بالمسابقة في ميادين الطاعة.
- يجب أن نتّقيَ الله في الخلوة، كما نتّقيه بحضرة الناس.
- مما يعين على التقوى استحضار أن الله تعالى مطلع على العبد في سائر أحواله.
- الترغيب في حسن الخلق، وبيان أنه، أثقل ما يوضع في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة.
62
باب المراقبة
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقَالَ [يَا غُلَامِ! إنِّي أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك، إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوك بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك. وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك. رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُف] وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ [احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامك. تَعَرَّفْ إلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفُك فِي الشِّدَّةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَك لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك، وَمَا أَصَابَك لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك. وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنْ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا]
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
مفردات الحديث
- خلف النبي، صلى الله عليه وسلم: أي راكبًا خلفه على دابته.
- غلام: هو الصبي، من حين يفطم إلى تسع سنين.
- كلمات: أي، جُمَلًا تحتوي على نصائح.
- احفظ الله: اعرِفْ حدوده، وقف عندها.
- يحفظك: يصونك.
- تجاهك: أمامك.
- سألت: أردت أن تطلب.
- رفعت الأقلام: فرغت من الكتابة.
- وجفت الصحف: أي، ما كتب في اللوح المحفوظ من مقادير المخلوقات، قد انتهى، ولا تبديل لكلمات الله.
- الرخاء: سَعَة العيش، والأمن، والراحة.
فوائد الحديث
- احفظ الله: اي، احفظ حدوده وحقوقه، وأوامره ونواهيه؛ احفظ صلاتك، احفظ طهارتك، احفظ أيمانك، احفظ رأسك وما وعى. ويدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات.
- بقدر حفظ العبد لحدود الله تعالى ينال حفظ الله ومعيته.
- إن من تمام العبادة ترك سؤال الناس. فإنّ في سؤالهم تذلل لهم، ومهانة للنفس. ولا يسلم سؤالهم من منّة أو جرح للمشاعر، أو نيل من الكرامة،
- من أراد أن يسأل فليسأل الله، فسؤال الخلق أبيح للضرورة.
- وجوب الرضا بالقضاء والقدر، والإيمان بهما.
63
باب المراقبة
عنْ أَنَس، رضي الله عنه، قالَ «إِنَّكُمْ لَتَعْملُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدقُّ في أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، كُنَّا نَعْدُّهَا عَلَى عَهْدِ رسولِ اللَّهِﷺ مِنَ الْمُوِبقاتِ»
رواه البخاري
مفردات الحديث
- لتعملون أعمالاً: ذنوبا ومخالفات.
- أدق في أعينكم: في نظركم واعتقادكم.
- من الشّعر: لشدة تحقيرها.
- الْمُوبِقَاتُ: الْمُهْلِكَاتُ والكبائر.
فوائد الحديث
- أنس رضي الله عنه، يحاسب بعض التابعين لأنهم يتساهلون في أشياء، يعدونها خفيفة بنظرهم.
- المحقرات، إذا كثرت صارت كبارا، مع الإصرار.
- إذا كان هذا في عهد التابعين فكيف تكون حالنا مع ذنوبنا؟
- من غلبت عليه الغفلة فإنه لم يعد يبالي، بل لربما أبغض من نصحه ونفر منه، ويرى أن ناصحه عدو له.
64
باب المراقبة
عَنْ أبي هريْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبيِّﷺ قَالَ [إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى، أنْ يَأْتِيَ الْمَرْءُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْه]
متفقٌ عَلَيهِ
مفردات الحديث
- يغار: أي يغضب على من أقدم على محارمه.
- غَيْرةُ الله: أي الأَنَفَة، والحميَّة، والأسباب المستوجبة لغضبه.
فوائد الحديث
- الواجب على المؤمن الحذر من المحرمات، والتوبة إلى الله مما سلف، لأنه ربما أقدم على معصية فيغضب الله عليه، ويهلك بسببها.
65
باب المراقبة
عَنْ أبي هُريْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّهُ سمِع النَّبِيَّﷺ يَقُولُ [إِنَّ ثَلاَثَةً مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ: أَبْرَصَ، وأَقْرَعَ، وأَعْمَى، أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَليَهُمْ، فَبَعث إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فأَتَى الأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حسنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، ويُذْهَبُ عنِّي الَّذي قَدْ قَذَرنِي النَّاسُ. فَمَسَحهُ، فذَهَب عنهُ قذرهُ، وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسنًا. قَالَ: فَأَيُّ الْمالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبلُ -أَوْ قَالَ الْبَقَرُ، شَكَّ الرَّاوِي- فأُعْطِيَ نَاقَةً عُشرَاءَ، فَقَالَ: بارَك اللَّهُ لَكَ فِيها فأَتَى الأَقْرعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحب إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حسنٌ، ويذْهبُ عنِّي هَذَا الَّذي قَذِرَني النَّاسُ. فَمسحهُ عنْهُ، وأُعْطِيَ شَعرًا حَسَنًا. قالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقرُ، فأُعِطيَ بَقَرَةً حامِلًا، وقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا. فَأَتَى الأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَري، فَأُبْصِرَ النَّاسَ. فَمَسَحَهُ، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بصَرَهُ. قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِليْكَ؟ قَالَ: الْغنمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً والِدًا، فَأَنْتجَ هذَانِ وَولَّدَ هَذا، فكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبِلِ، ولَهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلَهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَم. ثُمَّ إِنَّهُ أتَى الأْبرص في صورَتِهِ وَهَيْئتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكينٌ قدِ انقَطعتْ بِيَ الْحِبَالُ في سَفَرِي، فَلا بَلاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلاَّ باللَّهِ ثُمَّ بِكَ. أَسْأَلُكَ، بِالَّذي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، والْجِلْدَ الْحَسَنَ، والْمَالَ، بَعيِرًا، أَتبلَّغُ بِهِ في سفَرِي، فقالَ: الحقُوقُ كَثِيرةٌ. فَقَالَ: كَأَنِّي أَعْرفُكُ. أَلَمْ تَكُنْ أَبْرصَ يَقْذُرُكَ النَّاسُ، فَقيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فقالَ: إِنَّما وَرثْتُ هَذا المالَ كَابرًا عَنْ كابِر. فقالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّركَ اللَّهُ إِلى مَا كُنْتَ. وأَتَى الأَقْرَع في صورتهِ وهيئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لهذَا، وَرَدَّ عَلَيْه مِثْلَ مَاردَّ هَذَّا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيّرَكَ اللهُ إِليَ مَا كُنْتَ وأَتَى الأَعْمَى في صُورتِهِ وهَيْئَتِهِ، فقالَ: رَجُلٌ مِسْكينٌ وابْنُ سَبِيلٍ، انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ في سَفَرِي، فَلا بَلاغَ لِيَ اليَوْمَ، إِلاَّ بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ. أَسْأَلُكَ بالَّذي رَدَّ عَلَيْكَ بصرَكَ، شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا في سَفَرِي؟ فقالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي. فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ. فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ]
متفق عليه
مفردات الحديث
- ناقة عشراء: هي التي مضى لها من حملها عشرة أشهر، وجمعها عشار، وكانت أنفس أموال العرب، لقرب ولادتها، ورجاء لبنها.
- أَنْتجَ: تَوَلَّى نِتَاجَهَا، والنَّاتجُ للنَّاقةِ كالْقَابِلَةِ لَلْمَرْأَةِ.
- تقطعت بي الحبال: أي الأسباب التي يتوصل بها البلاغ.
- يقذرك: أي يشمئز الناس من رؤيته.
- ورثت كابرًا عن كابر: أي ورثته عن آبائي، الذين ورثوه عن آبائهم؛ كبيرًا عن كبير، في العز والشرف والثروة.
- لا أجهدك: أي، لا أشق عليك في رد شيء تأخذه من مالي.
فوائد الحديث
- قص الرسولﷺ قصتهم علينا لنعتبر، ونأخذ العظة، ولا نتشبه بالمخالفين.
- هذه القصة تبين بجلاء أن الابتلاء سنّة جارية، وقدرٌ نافذ؛ يبتلي الله عباده بالسرّاء والضراء، والخير والشر، فتنة.
- الابتلاء بالسراء والرخاء قد يكون أصعب من الابتلاء بالشدة والضراء، ليتميز المؤمن من غيره، والصادق من الكاذب.
- فضل الصدقة، والحث على الرفق بالضعفاء، وإكرامهم وتبليغهم مآربهم.
- الزجر عن البخل، لأنه يحمل صاحبه على الكذب، وعلى جحد نعمة الله تعالى.
66
باب المراقبة
عَنْ أبي يَعْلَى شَدَّادِ بْن أَوْسٍ رضي الله عنه، عن النَّبيّﷺ قَالَ [الكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِما بَعْدَ الْموْتِ. وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَواهَا، وتمَنَّى عَلَى اللَّه]
رواه التِّرْمِذيُّ
مفردات الحديث
- الكيّس: أي العاقل الحازم، الذي يحسن تدبير الأمور.
- من دان نفسه: أي حاسبها، ومنعها مستلذاتها وشهواتها، التي فيها هلاك دينه.
- وعمل لما بعد الموت: من القبر وما بعده؛ العمل المؤنس له في الوحدة والوحشة.
- والعاجز: أي التارك لما وجب عمله، بالتسويف.
- من أتبع نفسه هواها: أي جعلها تابعة لما تهواه.
- تمنّى على الله: الفوز في الآخرة.
فوائد الحديث
- الحثُّ على انتهاز الفرص، وعلى أن لا يضيع الإنسان من وقته فرصة إلا فيما يرضي الله عزَّ وجلَّ.
- الإنسان الحازم هو الذي يغتنم الفرصَ، ويتَّخذُ لنفسِه الحيطةَ، حتى لا تفوتَ عليه الأيام والليالي، فيضيع.
- الإنسان المتساهل هو الذي تغلبه نفسه، ويغلبه هواه؛ وهو المفرط وهو المخاطر.
- والإنسان الذي يتمنى على الله الأماني هو مع تفريطه في طاعة ربّه واتباع شهواته؛ لا يعتذر، بل يتمنى على الله أن يعفو عنه.
67
باب المراقبة
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهﷺ [مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَالاَ يَعْنِيهِ] وغيرُهُ
رواهُ التِّرْمذيُّ
مفردات الحديث
- من حسن إسلام المرء: من كمال إسلامه وكمال إيمانه.
- تركه ما لا يعنيه: ما لا يهِمُّه من شؤون الدنيا، سواء من قول أو فعل.
فوائد الحديث
- في الحديث إرشاداً لما فيه حفظ وقت الإنسان ودينه من الصوارف التي تصرفه عن المسارعة في الخيرات، والتزود من الصالحات.
- هذا الحديث هو أصل كبير في تأديب النفس وتهذيبها، وصيانتها عن الرذائل والنقائص، وترك ما لا جدوى فيه ولا نفع.
- ينبغي للإنسان أن يدع ما لا يعنيه؛ لأن ذلك أحفظ لوقته، وأسلم لدينه.
- ترك اللغو والفضول دليل على كمال إسلام المرء.
68
باب المراقبة
عَنْ عُمَرَ، رَضْيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال [لا يُسْألُ الرَّجلُ فيما ضرَب امرأتَه] وغيرُه
رواه أبو داود
فوائد الحديث
- الرجل المتَّقي لله عزَّ وجلَّ قد يضرب زوجته على أمر يُستحيا من ذكره، فإذا عُلِمَ تقوى الرجل لله عزَّ وجلَّ... وضرب امرأته، فإنَّه لا يُسأل.
- من كان سيِّء العِشرة، فهذا يُسأل فيمَ ضرب امرأته؛ لأنه ليس عنده من تقوى الله تعالى ما يردعُه عن ظلمها وضربها، حيث لا تستحقُّ أن تُضرب.
69
باب التقوى
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله، مَنْ أكرمُ النَّاس؟ قَالَﷺ [أَتْقَاهُمْ] فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نسألُكَ. قَالَ [فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ، ابنُ نَبِيِّ اللهِ، ابنِ نَبيِّ اللهِ، ابنِ خليلِ اللهِ] قالوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نسألُكَ، قَالَ [فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلوني؟ خِيَارُهُمْ في الْجَاهِليَّةِ خِيَارُهُمْ في الْإِسْلَامِ.. إِذَا فقُهُوا]
متفق عليه
مفردات الحديث
- من أكرم الناس؟: يحتمل أن يكون السؤال يراد به الكرم، الذي بمعنى البذل، والجود والسخاء، وما أشبه ذلك. ويحتمل أن يكون المراد به شرف النسب. ويحتمل أن يكون المراد به أن يكون الإنسان ماجداً نبيلاً؛ تقول: فلان من كرام الناس، يعني: من خيارهم معدناً.
- أتقاهم: أي، إن أكرم الناس أتقاهم لله عزَّ وجلَّ. وهذا الجواب مطابق تمامًا لقوله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات 13
- معادن العرب: أي أصولهم وأنسابهم.
- خيارهم: أي أصحاب المروءات، ومكارم الأخلاق في الجاهلية، إذا أسلمُوا أو فُقّهوا، فهُمْ خيارُ الناس.
- فَقُهوا: أي عَلِموا أحكام الشرع.
70
باب التقوى
عَنْ أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ، رضي الله عنه، عن النَّبيِّ، صلّى اللهُ عليه وسلَّم، قال [إنَّ الدُّنيا حُلوةٌ خَضِرةٌ، وإنَّ اللهَ مُسْتخلِفَكم فيها، فَيَنْظر كيف تَعمَلون. فاتَّقوا الدُّنيا، واتَّقوا النِّساءَ؛ فإنَّ أوَّلَ فتنةِ بني إسْرائيلَ كانتْ في النِّساءِ]
رواه مُسْلم
مفردات الحديث
- إنَّ الدُّنيا حُلْوةٌ خَضِرَةٌ: أي حلوة في المذاقِ، خَضِرَةٌ في المرْأَى، وهما معنيان تتعلق بهما النفوس، فيغْترُّ الإنسانُ بها، وينهمك فيها، ويجعلها أكبرَ همِّهِ.
- فاتَّقوا الدُّنيا، ليس معنى ذلك أن يتخلى الإنسان عنها، ولا يعمرها، وإنما المعنى: احذروا من أن تُغرّكم الدنيا.
- واتَّقوا النِّساءَ أي: احْذَروهنَّ، فإذا فسدت المرأة فسد المجتمع، وإذا تبرجت المرأة، واستعرضت بزينتها، فعلى المجتمع السلام.
- مستخلفكم فيها، أي: جاعلكم خلفاء للذين كانوا قبلكم. فالانسان يجب عليه ان يقوم بما أمره الله، ويترك ما نهى عنه، ولا يغتر بالحياة الدنيا.
71
باب التقوى
عَنْ أبي مَسْعودٍ، رَضْيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كان يقولُ [اللهمَّ إنِّي أسأُلك الهُدَى والتُّقَى والعفَافَ والغِنَى]
رَواهُ مُسْلمٌ
مفردات الحديث
- الهدى: هو طلب الهداية، وهنا بمعنى العلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله العلم.
- التقى: اسم جامع لفعل ما أمر اللَّه به، وترك ما نهى عنه. والمراد هنا: تقوى الله عزَّ وجلَّ.
- العفاف: هو التنزُّه عما لا يُباح, والصيانة عن كل ما حرم الله. ويشمل العفاف بكل أنواعه: عن الزنا، وعن الكسب الحرام...
- الغنى: وهو غنى النفس عمّا في أيدي الناس، بما أعطاه اللَّه.
72
باب التقوى
عَنْ أَبي طَريفٍ عَديِّ بنِ حاتمٍ الطَّائِيِّ، رَضْيَ اللهُ عنه، قالَ: سمْعتُ رسولَ اللهِ، صلَّى الله عليه وسلَّم، يقولُ [مَنْ حلَفَ علَى يمينٍ ثمَّ رأَى اتقَى للهِ منْهَا فليَأْتِ التَّقوَى]
رواه مسلم
مفردات الحديث
- حَلَف: أي أقسم.
- رأى أتقى: رأى غيرها خيرًا منها.
- التقوى: فعل مأمور به، أو ترك المنهيّ عنه.
فوائد الحديث
- اليمين على المستقبل هي التي فيها الكفارة، فإذا حلَف الإنسانُ على شيءٍ مستقبلٍ وخالف ما حلف عليه، وجبت عليه الكفارة، إلا أن يُقْرن يمينه بمشيئة الله، فيقول: إن شاء الله، فهذا لا كفارة عليه ولو خالَف.
- الإنسان يستطيع أن يُكفّر عن يمينه قبل الحنث. ويستطيع أن يكفر بعد ذلك. فالإنسان في اليمين مخير بين الأمرين، وهذا كله من تقوى الله تبارك وتعالى أن يفعل الأفضل، والأنفع، والأحسن، ولا تمنعه اليمين من فعل الخير، والبر، والمعروف، والصلة.
- الكفارة إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة. ومن لم يجد شيئاً من ذلك صام ثلاثة أيام.
73
باب التقوى
عَنْ أبي أُمامةَ صُدَيِّ بنِ عَجْلان الباهِيِّ، رضْيَ اللهُ عنه، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يخطبُ في حَجَّةِ الوداعِ، فقال [اتَّقوا اللهَ، وصلُّوا خمْسَكُم، وصُوموا شَهركم، وأدُّوا زكاةَ أموالِكم، وأطيعوا أمراءكم، تدْخلوا جنَّةَ ربِّكم]
رواه الترمذي
مفردات الحديث
- اتّقوا الله: خافوا عقابه، واصبروا.
- وأدّوا: أعطوا.
- أطيعوا أمراءكم: الخليفة، أو كل من تولّى أمراً من أموركم. وطاعتُهم تكونُ في المعروفِ. وأمَّا إذا أَمَروا بشيءٍ فيه معصيةٌ للهِ تعالى؛ فلا طاعةَ لمخلوقٍ في مَعصيةِ الخالِقِ.
- تَدْخُلوا جَنَّةَ ربِّكم: أي يكونُ جَزاؤُكم، إذا فعَلتُم ذلك، أن يُدخِلَكم اللهُ الجَنَّةَ.
74
باب التقوى
عن ابنُ عبَّاسٍ، قال: قال رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ [عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، ومعهُ الرُّهَيْطُ، والنبيَّ، ومعهُ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ؛ والنبيَّ ليسَ معهُ أحَدٌ، إذْ رُفِعَ لي سَوادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أنَّهُمْ أُمَّتِي. فقِيلَ لِي: هذا مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وقَوْمُهُ، ولَكِنِ انْظُرْ إلى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ، فإذا سَوادٌ عَظِيمٌ. فقِيلَ لِي: انْظُرْ إلى الأُفُقِ الآخَرِ، فإذا سَوادٌ عَظِيمٌ. فقِيلَ لِي: هذِه أُمَّتُكَ، ومعهُمْ سَبْعُونَ ألْفًا، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بغيرِ حِسابٍ ولا عَذاب] ٍ ثُمَّ نَهَضَ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخاضَ النَّاسُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بغيرِ حِسابٍ، ولا عَذابٍ. فقالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسولَ اللهِ، صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا في الإسْلامِ، ولَمْ يُشْرِكُوا باللَّهِ. وذَكَرُوا أشْياءَ، فَخَرَجَ عليهم رَسولُ اللهِ، صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ [ما الذي تَخُوضُونَ فِيهِ]؟ فأخْبَرُوهُ، فقالَ [هُمُ الَّذِينَ لا يَرْقُونَ، ولا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطَيَّرُونَ، وعلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون] فَقامَ عُكّاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ، فقالَ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي منهمْ. فقالَ [أنْتَ منهم]، ثُمَّ قامَ رَجُلٌ آخَرُ، فقالَ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي منهمْ، فقالَ [سَبَقَكَ بها عُكّاشَة]
مفردات الحديث
- عُرضت عليَّ الأمم: أي، أُريَ الأمم، عليه الصلاة والسلام... وأنبياءَهم.
- الرُّهيطُ: تصغيرُ رَهطٍ، وهم دون عشَرَةِ أنْفسٍ.
- رُفِع لي سواد: أي بشرٌ كثيرٌ.
- الأفق: الناحية والجانب.
- فخاض الناسُ في أولئك...: كلٌّ أتى بما يظنُّ.
- لا يسْترْقون: أي لا يطلبون من أحدٍ أن يقرأ عليهم إذا أصابهم شيءٌ، من شدة توكلهم على الله.
- لا يكْتَوون: أي لا يطلبون من أحدٍ أن يكويهم إذا مرِضوا.
- ولا يتطيَّرون: أي لا يتشاءمون؛ لا بمرْئيٍّ، ولا بمسموعٍ، ولا بغير ذلك.
- يتوكلون: يفوضون الأمر إلى الله تعالى، مع الثقة به، والأخذ بالأسباب.
- سبَقكَ بها عُكَّاشة: ردَّ النبيُّ صلى الله عليه والسلام، على الرجل الآخر، بلطف، ولم يقل له لست منهم، قيل: لأنَّه كان يعلمُ، صلى الله عليه وسلم، بأنَّه منافقٌ. والمنافقُ لا يدخل الجنَّةَ. وقال بعض العلماء: بل قال ذلك من أجل أن لا ينفتح الباب، فيقوم من لا يستحق أن يدخل الجنَّة بغير حساب ولا عذاب، فيقول: ادعُ الله أن يجعلني منهم.
فوائد الحديث
- هل إذا اضطرَّ الإنسان إلى الرقية، أي إلى أن يطلبَ من أحدٍ أن يقرأ عليه، يخرج من استحقاق دخول الجنة بغير حساب ولا عذاب؟ قال بعضُ العلماء: نعم، هذا ظاهر الحديث، وليعتمد علي الله، وليتصبر، ويسأل الله العافية. وقال البعض الآخر: إنَّ هذا فيمن استَرَقي قبل إن يُصاب. فيكون هذا من باب طلب الرُّقية، لأمرٍ متوقَّع لا واقع، وكذلك بالنسبة للكيُّ. للرقية المشروعة شروط ثلاثة: الأول: أن تكون الرقية بكلام الله تعالى، أو بأسمائه، أو بصفاته، أو بما أُثر عن النبي، صلى الله عليه وسلم. الثاني: أن تكون باللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره. الثالث: الاعتقاد بأن الرقى لا تؤثر بذاتها، بل التأثير من الله تعالى. بهذه الشروط تكون الرقية صحيحة، وفي تأثيرها، شرطين... إضافة لما سبق: الأول: يتعلق بالراقي، بأن يكون صاحب إيمان وصلاح، وحضور قلب لما يقرأ. الثاني: يتعلق بالمرقي، بأن يكون معتمداً على الله تعالى، موقناً بشفائه ونفع آياته. لا يأتي للرقية للتجربة، أو لمجرد طرق هذا الباب... فإن مثله لا ينتفع.
- الطِّيرة محرَّمة، لا يجوز لأحدٍ أن يتطيَّر؛ لا بطيورٍ، ولا بأيَّام، ولا بشهور، ولا بغيرها، لأنها تنافي التوحيد: ذلك لأن المتطير قطع توكله على الله، واعتمد على غيره، وتعلق بأمر لا حقيقة له، ألا وهو التَّشاؤمُ. كما أنَّه شِرك أصغر، فهو حسْرةٌ علي الإنسان، فيتألم من كلِّ شيءٍ يراه.
- التوكل، لا بد له من أمرين: تفويض الأمر لله عز جل، واعتماد القلب عليه، مع صحة الإيمان والمعتقد، وفعل الأسباب التي أمر الله بها.
75
باب التقوى
عَنْ ابْن عبَّاس، رضي اللَّه عنهما، أَنَّ رَسُول اللَّهِﷺ كانَ يقُولُ [اللَّهُم لَكَ أسْلَمْتُ، وبِكَ آمنْتُ، وعليكَ توَكَّلْتُ، وإلَيكَ أنَبْتُ، وبِكَ خاصَمْتُ. اللَّهمَّ أعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لا إلَه إلاَّ أنْتَ، أنْ تُضِلَّنِي؛ أنْت الْحيُّ الَّذي لا يمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يمُوتُونَ]
متفقٌ عَلَيهِ وَهَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ
مفردات الحديث
- اللهمَّ لكَ أسلمْتُ: أي لك انقدت، واستسلمت، لحكمك وأمرك.
- وبكَ آمنت:ُ التَّصديقُ والإقرارُ باللهِ تعالى، وبكلِّ ما أمَرَ بهِ، وما نَهى عنه.
- وعليكَ توكَّلتُ: أي فوّضت أموري كلّها إليك.
- وإليك أنبت: أقبلت بعباداتي وطاعتي لك، وأعرضت عما سواك.
- وبك خاصمت: أي بك أحاج وأدافع، وأقاتل أعداءك.
- اللهمَّ إنِّي أَعوذُ بعزَّتِكَ، لا إلهَ إلَّا أَنتَ أنْ تُضلَّني: أي أعوذُ بارتِفاع قَدرِكَ على سائرِ المَخلوقاتِ، وتفرُّدِكَ بالأُلوهيَّةِ، ألَّا تَجعَلَ لأحدٍ عليَّ سَبيلاً، فيكونَ سببًا في ضَلالِي، وابتِعادِي عن الطَّريقِ المُستَقيمِ.
- أنتَ الحيُّ الذي لا يَموتُ: هذا تَنزيهٌ للهِ عزَّ وجلَّ عن المَوتِ؛ لأنَّ الموتَ صِفَةُ نقْص.
- والجنُّ والإِنسُ يَموتونَ: تأكيدٌ منهُ، صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ، على أنَّ صفَةَ الحياةِ للهِ عزَّ وجلَّ وحدَه، حتَّى إنَّ أرْقَى المَخلوقاتِ لازِمٌ في حقِّها الموتُ.
فوائد الحديث
- المؤمن يأخذ بالأسباب، ويتوكل على الله، ويعتمد عليه، سبحانه وتعالى.
- يجب على الإنسان أن يستسلم لأقدار الله المؤلمة، ويرضى بما قسمه الله عز وجل، فالله، لا راد لقضائه، فإن صبر واستسلم فإنه يؤجر على هذا، وترفع درجاته.
- المناسب، أن تكون الاستعاذة، والدعاء والتوكل على من لا يموت؛ لأن من يفوت، ويموت، ويغيب لا يصلح التوسل به.
76
باب التقوى
عن ابْنِ عَبَّاس رضي اللَّه عنهما، قَالَ: {حسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ الْوكِيلُ}، قَالَهَا إبْراهِيمُﷺ حينَ أُلْقِى في النَّارِ، وَقالهَا مُحمَّدٌﷺ حيِنَ قَالُوا {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوكِيلُ} وفي رواية لَهُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي اللَّه عنهما، قَالَ (كَانَ آخِرَ قَوْل إبْراهِيمَﷺ حِينَ ألْقِي في النَّارِ {حسْبي اللَّهُ وَنِعمَ الْوَكِيلُ})
رواه البخاري
مفردات الحديث
- حسبنا الله: أي الله كافينا.
- نعم الوكيل: أي أمدح من هو قيِّم على أمورنا، وقائم على مصالحنا.
- قالها إبراهيم، عليه السلام، في أعظم محنة ابتلي بها، حين ألقي في النار.
- قالها سيد البشر محمد، صلى الله عليه وسلم، في مواجهة المشركين في "حمراء الأسد".
- وردت مشروعية حسبنا الله ونعم الوكيل في القرآن الكريم.
- الظالم الذي قيل في حقه هذا الدعاء ليس له إلا التوبة الصادقة، وطلب العفو ممن ظلمهم.
77
باب التقوى
عَن أبي هُرَيْرةَ، رضي الله عنه، عن النَّبيّﷺ قَالَ [يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أقْوَامٌ أفْئِدتُهُمْ مِثْلُ أفْئِدَةِ الطَّيْرِ]
رواه مسلم
مفردات الحديث
- أفئدتهم مثل أفئدة الطير: أي من رقتها، وخشوعها وخضوعها لله، وخوفها منه؛ ضعيفة قد أنهكها الخوف والحذر، هكذا المؤمن، يخاف ويحذر، ويعتمد على الله.
فوائد الحديث
- بيان أن هناك علاقة بين الرقة والإيمان، ولهذه الرقة النابعة من الإيمان سمات كثيرة،
- سَرعان ما تذرف العين.
- سرعة الاستجابة للحق.
- سرعة الاتعاظ والتذكير، وكُره الظلم بشدة.
- التفاعل مع مَن حوله، والاهتمام بمشاعرهم فرحًا وحزنًا.
- التفكير في الآخرين، فإذا عجز عن مدِّ يد العون، فلا أقل من أن يحمل همَّهم في قلبه وعقله. وهي تشمل كل المؤمنين: رجالاً، نساءً، شبابًا، وأطفالاً
78
باب التقوى
عنْ جَابِرٍ، رضي الله عنه أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّﷺ قِبَلَ نَجْدٍ. فَلَمَّا قَفَل رَسُول اللَّهﷺ قَفَل مَعهُمْ، فأدْركتْهُمُ الْقائِلَةُ في وادٍ كَثِيرِ الْعضَاهِ، فَنَزَلَ رسولُ اللَّهِﷺ، وتَفَرَّقَ النَّاسُ يسْتظلُّونَ بالشَّجَر، ونَزَلَ رسولُ اللَّهﷺ تَحْتَ سمُرَةٍ، فَعَلَّقَ بِهَا سيْفَه. ونِمْنَا نوْمةً، فَإِذَا رسولُ اللَّهِﷺ يدْعونَا، وإِذَا عِنْدَهُ أعْرابِيُّ فقَالَ [إنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سيْفي وأَنَا نَائِمٌ، فاسْتيقَظتُ وَهُو في يدِهِ صَلْتاً، قالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ منِّي؟ قُلْتُ: اللَّه -ثَلاثاً-] وَلَمْ يُعاقِبْهُ وَجَلَسَ وفي رواية: قَالَ جابِرٌ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللِّهِﷺ بذاتِ الرِّقاعِ، فإذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجرةٍ ظَلِيلَةٍ تركْنَاهَا لرسول اللَّهﷺ، فَجاء رجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِين، وَسَيفُ رَسُول اللَّهﷺ مُعَلَّقٌ بالشَّجرةِ، فاخْترطهُ، فَقَالَ: تَخَافُنِي؟ قَالَ [لا] قَالَ: فمَنْ يمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ [اللَّه] وفي رواية أبي بكرٍ الإِسماعيلي في صحيحِهِ: قَالَ منْ يمْنعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: «اللَّهُ» قَالَ: فسقَطَ السَّيْفُ مِنْ يدِه. فَأخَذَ رسَول اللَّهﷺ السَّيْفَ، فَقال [منْ يمنعُكَ مِنِّي؟] فَقال: كُن خَيْرَ آخِذٍ، فَقَالَ [تَشهدُ أنْ لا إلَه إلاَّ اللَّهُ، وأنِّي رسولُ اللَّه؟] قَالَ: لاَ، ولكِنِّي أعاهِدُك أنْ لا أقَاتِلَكَ، وَلاَ أكُونَ مَعَ قَومٍ يُقَاتِلُونَكَ. فَخلَّى سبِيلهُ، فَأتى أصحابَه، فقَالَ: جِئتكُمْ مِنْ عِندِ خيرِ النَّاسِ
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- قِبَل نجد: أي جهتها.
- فلما قَفل: أي رجع.
- القائلة: منتصف النهار، وقت القيلولة.
- العضاه: كل شجرة ذات شوك، وقيل الشجرة الكثيرة الورق.
- سَمُرة: هي شجرة كبيرة وافرة الظل.
- اخْتَرَطَ عليّ سيفي: أخذ السيف فاستله.
- صَلْتاً: أي أخرجه من غمده.
فوائد الحديث
- يدل الحديث على كمال يقين رسول اللهﷺ، وثقته بكفاية ربه تبارك وتعالى له، مع شدة تفويضه وتوكله على الله عز وجل.
- الأعرابي كان يقدر المعروف، فقال: جئتكم من عند خير الناس.
- ذُكر أنه أسلم، وأنه رجع إلى قومه، فاهتدى به خلق كثير.
- إذا رأى ولي الأمر العفو عن بعض الجناة، لمصلحة إسلامية، فلا بأس. العفو في محله مطلوب. وإذا رأى ولي الأمر عدم العفو؛ لأن هناك أسباب توجب العقاب، لم يعف. لأن الرسولﷺ عفا عن قوم وعاقب آخرين.
79
باب التقوى
عَنْ عُمَرَ، رضْي اللهُ عنه قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يقولُ [لو أنَّكُمْ تَتَوكَّلُونَ علَى اللهِ حقَّ توكُّله لرزقَكم كما يرْزقُ الطَّيرَ، تغدوا خِماصًا وتَرُوحُ بِطانًا]
رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسَنٌ
مفردات الحديث
- التوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل، في استجلاب المصالح، ودفع المضار.
- تغدو: تخرج في أول النهار.
- خماصاً: ضامرة البطون، من الجوع.
- تروح: ترجع في آخر النهار.
- بطاناً: ممتلئة البطون.
فوائد الحديث
- المَحْظُوْرُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الأَسْبَابِ، أَمَّا الأَخْذُ بِهَا، مَعَ الِاعْتِقَادِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِيَدِهِ الرِّزْقُ، فَهَذَا هُوَ المَطْلُوْبُ. وَهُوَ الَّذِيْ حَثَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ. أَمَّا مُجَرَّدُ اللَّفْظِ بِالتَوَّكُّلِ، دُوْنَ الأَخْذِ بِالأَسْبَابِ، فَمَمْنُوْعٌ، وَهُوَ التَّوَاكُلُ.
- قال بعض السلف: بحسبك من التوسل إليه أن يعلم مِن قلبك حسن توكلك عليه؛ فكم من عبد من عباده قد فوض إليه أمره، فكفاه منه ما أهمه.
80
باب التقوى
عَنْ أبي عِمارةَ البراءِ بنِ عازبٍ، رضْيَ اللهُ عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ [يا فُلان، إذا أَوَيْتَ إلى فِراشَك فقلْ: اللَّهمَّ أسْلمتُ نفسْي إليك، ووَجَّهتُ وجْهي إليك، وفَوَّضتُ أمري إليك، وأَلْجاتُ ظهري إِليك، رغْبةً ورَهْبةً إليك، لا مَلجَأ ولا مَنْجَى منك إلَّا إليك. آمنْتُ بكتابِك الذي أنْزلتَ، وبنبِيِّك الذي أَرْسلْتَ، فإنَّك إِنْ متَّ مِن ليلتِك متَّ على الفِطرةِ، وإنْ أصْبَحتَ أصَبْتَ خَيرًا] وفي روايةٍ في الصَّحيحينِ عَنِ البراءِ، قالَ: قالَ لي رَسُولُ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم [إذا أتَيْتَ مَضْجعَك فتوَضَّأ وُضُوءَك للصَّلاةِ، ثمَّ اضطَجِعْ علَى شقِّكَ الأَيمنِ وقُل... (وذَكِر نَحوَه، ثمَّ قالَ) واجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تَقُولُ (الدعاء أعلاه)]
مُتَّفقٌ عليه
مفردات الحديث
- أسلمت نفسي إليك: حقيقة الاستسلام لله، تبارك وتعالى، بالطاعة والانقياد.
- ووجهت وجهي إليك: الوجه هو أشرف ما في الإنسان، متوجهًا لربه ومقبلاً بكُلِّيَّته.
- وفوضت أمري إليك: هذا حقيقة التوكل.
- وألجأت ظهري إليك: اعتمدت عليك واستعنت بك.
- رغبة: طمعاً في ثوابك.
- ورهبة: خوفاً من عقابك.
- لا ملجأ: لا مستند.
- ولا منجى: لا مخلِّص ولا مفر.
- بكتابك: القرآن خصوصاً، وبكل كتاب عموماً.
- على الفطرة: الدين القويم الإسلام الصحيح.
- أصبت خيراً: أجراً عظيماً.
فوائد الحديث
- قوله، اضطجع على شقِّك الأيمن: لأن القلب في الشق الأيسر، فإذا نام الإنسان على شقه الأيسر فإن ذلك يكون أثقل لنومه. وأما إذا كان نائمًا على شقه الأيمن فإن قلبه يكون معلقًا، فيكون ذلك أدعى إلى يقظته، وخفة نومه.
- ذكر الأطباءُ أنَّ النوم على الجنبِ الأيمن أفضل للبدن، وأصحُّ من النومِ على الجنبِ الأيسر.
- استحباب الوضوء قبل النوم.
- التوكُّلَ: تفويضُ الإنسان أمرَه إلى ربِّه، وأنه لا يلجأ ولا يطلب منجا من الله إلا إلى الله عزَّ وجلَّ.
- إذا وجد الخوف مع المحبة فهذا هو الكمال، وإذا توجه العبد بالخوف وحده، دون رغبة، فإن هذا قد يورثه اليأس والقنوط. ولكنه يجمع بين هذا وهذا؛ بين رغبة ورهبة، رغبة بما عند الله، ورهبة من عذابه.
- من خاف من الله فإنه يلجأ إليه، ويفر إليه. إذا عمل العبد الذنوب، وأساء، وغلبته المخاوف، فإن الطريق هو أن ينيب إلى ربه، وأن يقبل عليه، وأن يفر إليه.
81
باب التقوى
عَنْ أبي بكرٍ الصدِّيقِ، رضي الله عنه، قال: نظرتُ إلى أقدامِ المشركين ونحن في الغارِ، وهُمْ على رؤوسِنا، فقُلتُ: يا رسولَ الله، لو أنَّ أحدَهم نظر تحت قدَميْه لأبْصَرَنا. فقال [ما ظَنُّكَ يا أبا بكرٍ باثنينِ اللهُ ثالثُهُما]
متَّفقٌ عليه
مفردات الحديث
- ما ظَنُّك يا أبا بكرٍ باثْنينِ اللهُ ثالثُهُما: أي، هل أحدٌ يقدر عليهما أو ينالُهما بسوٍء أو بأذيَّةٍ؟ الجواب: لا أحد يقدر.
فوائد الحديث
- مَنِ اعتَصمَ بِاللهِ تعالى كفاه عمَّن سواه؛ فهو نِعم النَّاصرُ ونِعم المعينُ، ومَعيَّتُه تعالى هي المعيَّةُ الحقيقيَّة، وما سواها معيَّةٌ كاذبةٌ زائفةٌ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إمامَ المتوكِّلينَ على الله تعالى، يَعلمُ أنَّه ناصِرَه، وأنَّه معه
82
باب التقوى
عَنْ أُمِّ المُؤمِنِينَ أُمِّ سلَمَةَ، رضي اللَّهُ عنها، أن النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، كانَ إذَا خَرجَ مِنْ بيْتِهِ قالَ [بسم اللَّهِ، توكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بِكَ أنْ أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أوْ أُزلَّ، أوْ أظلِمَ أوْ أُظلَم، أوْ أَجْهَلَ أو يُجهَلَ عَلَيَّ]
رواه أبو داود والتِّرمذيُّ
مفردات الحديث
- توكلت على الله: اعتمدت عليه.
- أعوذ بك: ألجأ وأعتصم بحولك.
- أن أضل: انحرف عن طريق الهداية والسداد.
- أزل: أقع في الذنب.
- أجهل: في أمور ديني.
فوائد الحديث
- بيان الطريقة في كيفية استعاذته عند خروجه من منازله صلى الله عليه وسلم.
- الالتجاء الى الله تعالى والاعتصام به من الانحراف أو الخروج عن جادة الحق.
83
باب التقوى
عنْ أنسٍ رضي الله عنه، قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِﷺ [مَنْ قَالَ (يعنِي إِذَا خَرَج مِنْ بيْتِهِ) بِسْم اللَّهِ توكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلا حوْلَ وَلا قُوةَ إلاَّ بِاللَّهِ، يقالُ لهُ هُديتَ وَكُفِيت ووُقِيتَ، وتنحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ] (يعْنِي، أن الشَّيْطَانَ يقول لِشَيْطانٍ آخر): كيْفَ لَكَ بِرجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفيَ وَوُقِيَ؟
رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وَقالَ الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ، زاد أبو داود
مفردات الحديث
- كفيت أي: صُرف عنك الشر.
- ووقيت أي: حُفظت عن الأشياء الخفية عنك من الأذى والسوء.
- وهديت أي: إلى طريق الحق والصواب.
- وتنحى أي: بَعُد عنه الشيطان.
- فيقول لشيطان آخر أي: يَقْصِدُ أذاه.
- كيف لك برجل أي: ما بقي لك يد في رجل قد هُدي بذكر الله، وكُفي شرك، وَوقي من مكرك وكيدك.
فوائد الحديث
- شأن أهل الإيمان التوكل على الله، والثقه به، والاعتماد عليه، مع الأخذ بالأسباب.
- بالدعاء نحفظ أنفسَنا من شرور الإنس والجن، ونحفظ غيرَنا من شرورنا.
- فلنحرص على إحياء هذه السُّنَّة المباركة، بتطبيقها، وحث الناس عليها، حتى ننال ما يترتب عليها من فضائل، وننال أجر إحياء سنة من سنن المصطفى، صلى الله عليه وسلم.
84
باب التقوى
عنْ أنَسٍ، رضي الله عنه، قَالَ: كَان أخوانِ عَلَى عهْدِ النبيِّﷺ، وكَانَ أَحدُهُما يأْتِي النبيَّﷺ، والآخَرُ يحْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أخَاهُ للنبيِّﷺ فَقَال [لَعلَّكَ تُرْزَقُ بِه]
رواه التِّرْمذيُّ
مفردات الحديث
- يحْتَرِف: يكتسب أسباب المعيشة.
- فشكا أخاه: عدم مساعدته للكسب.
- لعلّك تُرزق به: أي ببركته، بسبب قيامك بأمره، يتيسر رزقك.
فوائد الحديث
- الترغيب في مساعدة أهل العلم.
- يرزق الإنسان بسبب من يُعيلهم.
85
باب الاستقامة
عن سفيان بن عبدالله الثقفي، رضي الله عنه، قال: قلت، يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال [قُل: آمنتُ بالله! ثمَّ استقم]
رواه مسلم
مفردات الحديث
- قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك: أي، قولًا لا أحتاج إلى أحد بعدك يفسره لي، فأعمل بما تقول، وأكتفي به.
- قل آمنت بالله: فهذا هو العنصر الذي يغير من سلوك الشخص وأهدافه وتطلعاته، وبه يحيا القلب ويولد ولادة جديدة، تهيئه لتقبل أحكام الله وتشريعاته. ويقذف الله في روحه من أنوار هدايته، فيعيش آمنا مطمئنا، ناعما بالراحة والسعادة.
- ثم استقم: رتّب الاستقامة على الإيمان. فالاستقامة ثمرة ضرورية للإيمان الصادق.
فوائد الحديث
- إذا ذاق الإنسان حلاوة الإيمان، وتمكنت جذوره في قلبه، استطاع أن يثبت على الحق، ويواصل المسير، حتى يلقى ربّه وهو راض عنه. ثم، إن ذلك الإيمان يثمر له العمل الصالح؛ فلا إيمان بلا عمل، كما أنه لا ثمرة بلا شجر.
- الحديث شمل عمل القلب، وهو الإيمان؛ وعمل الجوارح، وهو الاستقامة؛ فهو شامل للظاهر والباطن.
- حقيقة الاستقامة، أن يحافظ العبد على الفطرة التي فطره الله عليها، فلا يحجب نورها بالمعاصي والشهوات.
- الاستقامة تستدعي من العبد اجتهاداً في الطاعة، فلا يعني ذلك أنه لا يقع منه تقصير أو خلل أو زلل، بل لا بد أن يحصل التقصير في الاستقامة المأمور بها. وذلك، يستدعي من العبد أن يجبر نقصه وخلله بالتوبة إلى الله عزوجل، والاستغفار من هذا التقصير.
- الحديث دليلٌ على حرص الصحابة، رضوان الله عليهم، على العلم، وسؤال النبي، صلى الله عليه وسلم، عن أهم الأعمال وأحكَمها، وعلى تعلم الدين.
86
باب الاستقامة
عنْ أبي هُريْرة، رضي اللَّه عنه، قال: قال رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم [قَارِبُوا وسدِّدُوا، واعْلَمُوا أَنَّه لَنْ ينْجُوَ أحدٌ منْكُمْ بعملهِ] قَالوا: ولا أنْت يَا رسُولَ اللَّه؟ قال [ولا أَنَا؛ إلا أنْ يتَغَمَّدَنِيَ اللَّه برَحْمةٍ منْه وَفضْلٍ]
رواه مسلم
مفردات الحديث
- المقاربة: القصْدُ الذي لا غُلوَّ فيه ولا تقصير.
- السَّداد: الاستقامةُ والإصابة.
- يَتغَمَّدني: يُلبِسَني ويَسترَني.
فوائد الحديث
- قال العلماءُ: معنَي الاستقامة، لزوم طاعةِ الله، في النيّات والأقوال والأعمال. ولكن، بحسب طاقة كل إنسان. لذا، قال قاربوا وسدّدوا.
- على الإنسان أن لا يعجب بعمله، مهما عمل من الأعمال الصالحة.
- فضل الله ثمنه العمل الصالح، ومعنى ذلك أن، هذا العمل وحده ليس كاف لدخول الجنة.
- لا ينبغي أن نتّكل على العمل... ولا أن نفقد الأمل.
- لا ينبغي أن نعتقد أن الجنة بالعمل فقط، ولا ينبغي أن نعتقد أن الجنة يحصل عليها الإنسان بلا عمل، لأن العمل جعله الله سبباً لفضل الله، عز وجل.
66
باب التفكر في عظيم مخلوقات الله تعالى وفناء الدنيا وأهوال الآخرة، وسائر أمورها، وتقصير النفس وتهذيبها، وحملها على الاستقامة.
عَنْ أبي يَعْلَى شَدَّادِ بْن أَوْسٍ رضي الله عنه، عن النَّبيّﷺ قَالَ [الكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِما بَعْدَ الْموْتِ. وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَواهَا، وتمَنَّى عَلَى اللَّه]
رواه التِّرْمِذيُّ
مفردات الحديث
- الكيّس: أي العاقل الحازم، الذي يحسن تدبير الأمور.
- من دان نفسه: أي حاسبها، ومنعها مستلذاتها وشهواتها، التي فيها هلاك دينه.
- وعمل لما بعد الموت: من القبر وما بعده؛ العمل المؤنس له في الوحدة والوحشة.
- والعاجز: أي التارك لما وجب عمله، بالتسويف.
- من أتبع نفسه هواها: أي جعلها تابعة لما تهواه.
- تمنّى على الله: الفوز في الآخرة.
فوائد الحديث
- الحثُّ على انتهاز الفرص، وعلى أن لا يضيع الإنسان من وقته فرصة إلا فيما يرضي الله عزَّ وجلَّ.
- الإنسان الحازم هو الذي يغتنم الفرصَ، ويتَّخذُ لنفسِه الحيطةَ، حتى لا تفوتَ عليه الأيام والليالي، فيضيع.
- الإنسان المتساهل هو الذي تغلبه نفسه، ويغلبه هواه؛ وهو المفرط وهو المخاطر.
- والإنسان الذي يتمنى على الله الأماني هو مع تفريطه في طاعة ربّه واتباع شهواته؛ لا يعتذر، بل يتمنى على الله أن يعفو عنه.
87
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ [بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيْهَا مُؤْمِناً، وَيُمْسِي كَافِراً. أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً، وَيُصْبِحُ كَافِراً؛ يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا]
رواه مسلم
مفردات الحديث
- بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ: أي سابقوا وسارعوا بأعمالكم الصالحة.
- الفتن: هي الابتلاء، والاختبار بالمحن والمنكرات والشدائد، التي تحول بين العبد وبين العمل الصالح.
- كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ: تشبيه للفتن بأجزاء الليل المظلمة، الشديدة في سوادها وظلمتها.
- وَيُمْسِي كَافِرا: يُحتمل كفرُ النعمة، ويُحتمل الكفرُ الحقيقي.
- يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا: ما يُعرض ويزول، من مال ومتاع الدنيا؛ إما أن تزول أنت قبله... أو هو يزول قبلك.
فوائد الحديث
- الحث على المبادرة، والمسارعة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها، والاشتغال عنها، بما يحدث من الفتن، الشاغلة المتكاثرة، المتراكمة كتراكم ظلام الليل.
- الأعمال الصالحة سبب للنجاة من الفتن.
- شدة الفتن وعظمها، وهي قسمين: فتن شبهات، وعلاجها العلم. وفتن شهوات، وعلاجها الإيمان والصبر.
- ذم الحياة الدنيا الفانية، بما فيها من عرض (مال أو منصب، أو جاه أو شهرة ونحوها)، والحذر من تقديمها على الآخرة الباقية.
- أن يعرف الإنسان حقائق ما أنزله الله عز وجل، وبعث به رسولهﷺ، فيتمسك بها، وما كان عليه أصحاب النبيﷺ. فإن لم يكن من أهل العلم فإنه يسأل من يثق بدينه وعلمه، للسلامة من الفتن.
88
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عنْ أبي سِرْوَعَةَ عُقبةَ بنِ الْحارِثِ، رضي اللَّه عنه، قال: صليت وراءَ النَبيِّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، بالمدِينةِ الْعصْرَ، فسلَّم، ثُمَّ قَامَ مُسْرعاً، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، إلى بعض حُجَرِ نسائِهِ. فَفَزعَ النَّاس من سرعَتهِ، فخرج عَليهمْ، فرأى أنَّهُمْ قدْ عَجِبوا منْ سُرْعتِه، قالَ [ذكرت شيئاً من تبْرٍ عندَنا، فكرِهْتُ أن يحبسَنِي، فأمرْتُ بقسْمتِه] وفي رواية له [كنْتُ خلَّفْتُ في الْبيتِ تِبراً من الصَّدقةِ، فكرِهْتُ أنْ أُبَيِّتَه]
رواه البخاري
مفردات الحديث
- فتخطى: تجاوز وقَطَع الصفوف حال جلوس الناس.
- حُجَر: جمع حجرة، اسم للمنزل.
- ففزع الناس: خاف الناس، لأنه، صلى الله عليه وسلم، خالف عادته في المشي.
- التِّبْر: قطع ذهبٍ أوْ فضَّةٍ.
- فكَرِهتُ أن يَحبِسَني: أي، يشغلني التفكير فيه، عن التوجه والإقبال على الله.
- فأمَرْت بِقِسمتِه: أي أحْضَرتُه، لآمُرَ بقِسمتِه.
فوائد الحديث
- جواز تخطي الرقاب في المسجد... لعذر شرعي.
- مراعاة الإنسان مشاعر مَن حوله، وإخبارهم بما رأوه منه من أمرٍ غريبٍ عليهم.
- جواز الاستنابة والتوكيل في صرف الصدقات، مع القدرة على المباشرة.
- التجرد من مشاغل الدنيا حال العبادة، لتصفو نفسه فيها.
- الإنسان يطول حسابه بقدر ما عنده من الأموال والأملاك، وما أشبه ذلك، بخلاف الذي يأتي، وليس عنده شيء؛ فحسابه ينتهي سريعًا.
- الزكاة، لا يجوز تأخيرها بحال من الأحوال! ينبغي أن توصل إلى المحتاجين. وإنما، يجوز التأخير في حالة، وهي، ما إذا كان الذي ستعطى له الزكاة غائبًا، ونحو ذلك.
89
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عَنْ جابرٍ، رضِي اللهُ عنْه، قَالَ: قَالَ رَجلٌ للنَّبيِّ، صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، يومَ أُحُدٍ: أرأيْتَ إِنْ قُتِلتُ، فأينَ أنا؟ قَالَ [في الجَنَّةِ] فألْقَى تمراتٍ كُنَّ في يدِهِ، ثمَّ قاتلَ حتَّى قُتِلَ
مُتَّفقٌ عَليه
فوائد الحديث
- الرجل، ألقى هذه التمرات التي كن في يده؛ استطال الزمان الذي يقضيه في أكلها. لا يريد أن يفرط بلحظة، حتى تلك اللحظة التي يأكل فيها، من حرصه على الشهادة، ومجابهة المشركين بالقتال.
- أن جزاء من قُتل في سبيل الله مخلصاً، أن يدخله الله الجنة.
- استحباب السؤال عن مصير العمل.
- استحباب التبشير بالخير على العمل. وقد أخبر الرسولﷺ الرجل أنه في الجنة، لما علم منه الإخلاص في الجهاد.
- الحث على المسارعة في أعمال الخير والبر، والمسابقة إلى رضوان الله تعالى.
- من صدق الله في طلب الشهادة، صدق الله معه، وأناله إياها.
- الله أعلمُ بمَنْ يستشهد في سَبيلِهِ. وأنَّ الأمر يتعلَّقُ بالنِيَّة، المجهولةِ لنا، المعلومة عند الله.
- الصحابة{، كانوا يسألون النبيﷺ عن الحكم الشرعي من أجل أن يعملوا به؛ بخلاف ما عليه كثيرٌ من الناس اليوم. فإنهم يسألون عن الأحكام الشرعية؛ حتى، إذا علموا بها تركوها... ونبذوها وراء ظهورهم، وكأنهم يريدون من العلم مجرد المعرفة النظرية. وهذا، في الحقيقة، خسران مبين؛ لأن من ترك العمل بعد علمه به... فإن الجاهل خير منه.
90
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أيُّ الصدَقة أعظم أجرًا؟ قال [أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح، تَخشى الفقر، وتأمُل الغِنى، ولا تُمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم – قلتَ، لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان]
متفق عليه
مفردات الحديث
- ﻭﺃﻧﺖ ﺻﺤﻴﺢ: أي، ﺻﺤﻴﺢ ﺍﻟﺒﺪﻥ.
- شحيح: بخيل النفس، والشحّ أعم من البخل.
- ﺗﺨﺸﻰ ﺍﻟﻔﻘﺮ: تخاف الفقر.
- وتأمل الغنى: أي، تطمع به.
- ولا تمهل: ﺃﻱ، لا ﺗﺘﺮﻙ ﺍﻟﺼﺪﻗﺔ.
- بلغت الحلقوم: أي، ﺟﺎﺀﻙ ﺍﻟﻤﻮﺕ، ﻭقاربت ﺭﻭﺣﻚ ﺣﻠﻘﻮﻣﻚ، ﻭﻋﺮﻓﺖ ﺃﻧﻚ ﺧﺎﺭﺝ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ.
- ﻗﻠﺖ ﻟﻔﻼﻥ ﻛﺬﺍ، ﻭﻟﻔﻼﻥ ﻛﺬﺍ: أي ﺻﺪﻗﺔ.
فوائد الحديث
- ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ الإﻧﺴﺎﻥ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﺒﺎﺩﺭ ﺑﺎﻟﺼﺪﻗﺔ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺄﺗﻴﻪ ﺍﻟﻤﻮﺕ. ﻭﺃﻧﻪ، ﺇﺫﺍ ﺗﺼﺪﻕ ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺣﻀﻮﺭ الأﺟﻞ، ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺃﻗﻞ فضلاً ﻣﻤﺎ ﻟﻮ ﺗﺼﺪﻕ، ﻭﻫﻮ ﺻﺤﻴﺢ ﺷﺤﻴﺢ.
- أﻭﻝ ﻣﺎ ﻳﻤﻮﺕ ﻣﻦ الإﻧﺴﺎﻥ، ﺃﺳﻔﻠﻪ؛ ﺗﺨﺮﺝ ﺍﻟﺮﻭﺡ، ﺑﺄﻥ ﺗﺼﻌﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺪﻥ، ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺗﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻠﻘﻮﻡ، ﺛﻢ ﻳﻘﺒﻀﻬﺎ ﻣﻠﻚ ﺍﻟﻤﻮﺕ. ﻧﺴﺄﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﻳﺨﺘﻢ، ﻟﻨﺎ ﻭﻟﻜﻢ، ﺑﺎﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ.
91
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عن أنس، رضي اللَّه عنه، أَنَّ رسول اللَّه، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، أَخذَ سيْفاً يوم أُحدٍ، فقَالَ [مَنْ يأْخُذُ منِّي هَذا؟] فبسطُوا أَيدِيهُم، كُلُّ إنْسانٍ منهمْ يقُول: أَنا، أَنا. قَالَ [فمنْ يأَخُذُهُ بحقِه؟] فَأَحْجمِ الْقومُ، فقال أَبُو دجانة، رضي اللَّه عنه: أَنا آخُذه بحقِّهِ، فأَخَذهُ، ففَلق بِهِ هَام الْمُشْرِكينَ
رواه مسلم
مفردات الحديث
- بحقه: أي، أن يقاتل بذلك السيف، إلى أن يفتح الله على المسلمين... أو يموت.
- اسمُ أبي دُجَانَةَ: سِماُك بنُ خَرَشَةَ.
- أَحْجَمَ القومُ: تَوَقَّفوا.
- فَلَقَ بِهِ: شَقَّ به.
- هَامَ المشركينَ: رؤوسَهم.
فوائد الحديث
- ينبغي للإنسان أن يبادرَ بالخير، وألَّا يتأخَّرَ، وأن يستعين بالله عزَّ وجلَّ. فإذا استعان بالله، وأحسن به الظنَّ، أعانه الله.
- بيان شجاعة وفضلُ أبي دُجَانَةَ وتميزه، رضِي اللهُ عنه.
92
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عن الزُّبيْرِ بنِ عديِّ، قال: أَتَيْنَا أَنسَ بن مالكٍ، رضي اللَّه عنه، فشَكَوْنا إليهِ ما نَلْقى من الْحَجَّاجِ. فقال: اصْبِروا، فإِنَّه لا يَأْتي عليكم زمانٌ إلاَّ، والَّذي بَعْدَه شَرٌّ منه، حتَّى تَلقَوا ربَّكُمْ. سمعتُه منْ نبيِّكُمْﷺ
رواه البخاري
مفردات الحديث
- تلقوا ربكم: يدرككم الموت، والخطاب لعامة الناس، وقد يكون المراد قيام الساعة.
فوائد الحديث
- استحباب الصبر على المحن، والمبادرة بالأعمال الصالحة.
- الإخبار بأن ما يأتي على الناس من الزمان القادم أشق عليهم مما يمضي. وهذا في غالب الحال، وليس دائما، ولا مع كل شخص.
- الإشارة إلى انتشار الفساد آخر الزمان.
93
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عن أبي هريرة، رضي اللَّه عنه، أَن رسول اللَّه، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال [بادروا بالأَعْمال سبعاً؛ هل تَنتَظرونَ إلاَّ فقراً مُنسياً، أَوْ غنًى مُطْغياً، أَوْ مرضاً مُفسداً، أَو هرماً مُفْنداً، أَو موتاً مُجِهزاً، أَوِ الدَّجَّال، فشرُّ غَائب يُنتَظر، أَوِ السَّاعة، فالسَّاعةُ أَدْهى وأَمر]
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسن
مفردات الحديث
- مطغياً: يحمل صاحبه على مجاوزة الحد في المعاصي.
- مفنداً: الفند في الأصل، الكذب. وأفند، تكلم بالفند، ومعناه تكلم بالكلام الباطل.
- مجهزاً: مميتاً بسرعة، وذلك كموت الفجأة.
- الدجال: إنسان كافر فاجر، يظهر قرب القيامة؛ يدعو إلى الكفر. كان النبيﷺ يستعيذُ منه. ورد في الحديث أنه يقتله عيسى بن مريم، عليه السلام، بعد نزوله.
- الساعة: يوم القيامة.
- أدهى: أعظم بلية.
- أَمَر: أشد مرارة من عذاب الدنيا.
فوائد الحديث
- الإخبار عن الدجال، وهو من أمارات الساعة.
- أن عذاب الدنيا أخف من عذاب الآخرة.
- على الإنسان أن يبادر إلى الأعمال الصالحة قبل دنو الموانع منها.
- أن من أهم الشواغل للإنسان عن الخير، الفقر الشديد، والغنى، والمرض، والهَرَم.
- على المؤمن أن يستفيد من المناسبات التي تتهيأ له فيها أفعال الخير، لأنها لا تكون دائمة؛ كالتاجر الذي يتحين المواسم، للحصول على الربح الكبير.
94
باب المبادرة إلى الخيرات وحثّ من توجّه لخير على الإقبال عليه بالجدّ من غير تردّد
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أَن رسولَ اللَّه، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال يوم خيْبر: [لأعطِينَّ هذِهِ الراية رجُلا يُحبُّ اللَّه ورسُوله، يفتَح اللَّه عَلَى يديهِ]. قال عمر، رضي اللَّهُ عنه: ما أَحببْت الإِمارة إلاَّ يومئذٍ، فتساورْتُ لهَا، رجَاءَ أَنْ أُدْعى لهَا. فدعا رسول اللَّهﷺ عليَ بن أبي طالب، رضي اللَّه عنه، فأَعْطَاه إِيَّاها، وقالَ [امش، ولا تلْتَفتْ، حتَّى يَفتح اللَّه عليكَ]. فَسار عليٌّ شيئاً، ثُمَّ وقف، ولم يلْتفتْ. فصرخ: يا رسول اللَّه، على ماذَا أُقاتل النَّاس؟ قال [قاتلْهُمْ حتَّى يشْهدوا أَنْ لا إله إلاَّ اللَّه، وأَنَّ مُحمَّداً رسول اللَّه. فَإِذا فعلوا ذلك فقدْ منعوا منْك دماءَهُمْ وأَموالهُمْ، إلاَّ بحَقِّها. وحِسابُهُمْ على اللَّهِ]
رواه مسلم
مفردات الحديث
- خَيبَر: مدينة ذات حصون ومزارع، تقع على بعد مئة ميل شمال المدينة.
- فَتَساورْت: أَيْ وثبتُ مُتطلِّعاً، متطاولاً لها.
- فما أحببت الإمارة إلا يومئذ: إنما كانت محبته لها، لما دلت عليه من محبته لله ورسولهﷺ، ومحبتهما له، والفتح على يديه.
- امش ولا تلتفت، حتى يفتح الله عليك: هذا الالتفات، يحتمل وجهين: أحدهما، أنه على ظاهره؛ أي، لا تلتفت بعينيك، لا يمينا ولا شمالا، بل امض على جهة قصدك. والثاني، أن المراد، الحث على الإقدام والمبادرة إلى ذلك، وحمله علي، رضي الله عنه، على ظاهره، ولم يلتفت بعينه حين احتاج.
- إلا بحقها: فلا يؤخذ شيء منها إلا بالحق؛ كالنفس بالنفس، وأداء الزكاة في الأموال.
فوائد الحديث
- محبة الله ورسوله إنما تكون بالإيمان بهما، واتباع ما أمرا به،
- معجزة الرسولﷺ، حيث أخبر عن أمر غيبي... فكان كما أخبر، وهو فتح خيبر.
- الحث على الإقدام والمبادرة، إلى ما أمر به الرسول، صلى الله عليه وسلم.
- لا يجوز قتل من نطق بالشهادتين، إلا إذا ظهر منه ما يستوجب القتل؛ كالقتل عمداً، أو إنكار شيء من الدين، يقتضي الكفر والردة.
- تجري أحكام الإسلام على ما يظهر من الناس، والله يتولى سرائرهم.
- الزكاة تؤخذ قَسراً، إن لم يؤدها صاحبها عن طواعية.
95
باب في المجاهدة
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صَلّى الله عَلَيْهِ وسَلَّم [إِنَّ الله تعالى قال: منْ عادى لي وليًّاً فقدْ آذنتُهُ بالْحرْب، وما تقرَّبَ إِلَيَّ عبْدِي بشَيءٍ أَحبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْت عليْهِ. وما يَزالُ عبدي يتقرَّبُ إِليَّ بالنَّوافِل حَتَّى أُحِبَّه. فَإِذا أَحبَبْتُه، كُنْتُ سمعَهُ الَّذي يسْمعُ به، وبَصرَهُ الذي يُبصِرُ بِهِ، ويدَهُ التي يَبْطِشُ بِهَا، ورِجلَهُ التي يمْشِي بها. وَإِنْ سأَلنِي، أَعْطَيْتُه، ولَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعيذَنَّه]
رواه البخاري
مفردات الحديث
- عادى: آذى وأبغض، وأغضب بالقول والفعل.
- وليًّا: الولي هو العالم بالله، المواظب على طاعته، المخلِص في عبادته.
- آذنتُهُ: أَعلَمْتُه بِأَنِّي محارب لَهُ.
- النوافل: ما زاد على الفرائض من العبادات.
- كنت سمعه: أي، أن الله يوفقه في سمعه وبصره، ومشيه وبطشه.
- يبطش بها: يضرب بها. والبطش الأخذ بشدة.
- استعاذني: طلب مني الإعاذة، ولجأ إلى حمايتي ونصرتي.
- لأعيذنه: لأحفظنه مما يخاف.
فوائد الحديث
- إثبات الولاية لله عز وجل؛ أي، إن لله تعالى أولياءَ.
- معاداة أولياء الله من كبائر الذنوب، لأن الله جعل ذلك إيذانًا بالحرب.
- خصومة أولياء الله أمام القضاء، لاستخراج حق، أو كشف غامض، فلا يدخل في هذا الوعيد. فقد ترافع الصحابة أمام القضاء، وهم أخص أولياء الله تعالى.
- أداء الفرائض مقدم على النوافل، لأنها أحب إلى الله، ولأن الأمر بها جازم؛ لا خيار للإنسان فيه.
- ملازمة النوافل... كالسنن
96
باب في المجاهدة
عن أَنسٍ رضي اللّهُ عنه عن النبيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فيمَا يرْوِيِهِ عنْ ربِهِ عزَّ وجَلَّ قالَ: [إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِراعًا، وإِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ منهُ بَاعًا، وإِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَة]
رواه البخاري
مفردات الحديث
- فيما يرويه عن ربه: هذا حديث قدسي.
- إذا تقرب: بالذكر والعمل الصالح.
- تقربت اليه: أوصلت رحمتي إليه.
- باعاً: الباع هو قدر مدِّ اليدين وما بينهما من البدن.
- هرولة: نوع من المشي فيه مسارعة الخطأ.
فوائد الحديث
- التقرب أو القرب والدُّنو من صفات الله، ثابتة لـه بالكتاب والسنة، و(القريب) اسم من أسمائه تعالى.
- الهروله هنا، كناية عن سرعة الإجابة، وقبول التوبة.
- الدلالة على كرم أكرم الأكرمين، حيث يعطي الجزيل في مقابل القليل.
98
باب في المجاهدة
عن عائشة، رضي اللَّه عنها، أَنَّ النَّبِيَّ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، كَان يقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تتَفطَّرَ قَدمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ، لمَ تصنعُ هذا يا رسولَ اللَّهِ، وقدْ غفَرَ اللَّه لَكَ مَا تقدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وما تأخَّرَ؟! قال [َأفَلاَ أُحِبُّ أَنْ أكُونَ عبْداً شكُورًا؟]
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- تتفطر: تتشقق.
- شكورًا: كثير الشكر، معترفا بالنعم قولًا وعملًا.
فوائد الحديث
- يجب أن تكون النعمة سبباً لزيادة الشكر، وفعل ما يجب من الطاعات، وترك المعصية.
- الأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع، ومن الصغائر، التي فيها رذائل.
- على المسلم أن يأتي بالنوافل قدر ما يستطيع؛ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها
- بيان فضل قيام الليل، وما له من القدر العظيم في نفس النبي، صلى الله عليه وسلم. بل، كان يحرص عليه في آخر حياته، مع تعبه.
- لا يكون الشكر باللسان فقط، بل يكون بالجوارح والأركان، وهو من أسباب كسب المؤمن رضا الله، تبارك وتعالى.
- بيان فضل زوجات النبي، صلى الله عليه وسلم، إذ نقلن لنا ما كان يخفى علينا من حاله، صلى الله عليه وسلم.
99
باب في المجاهدة
عن عائشة رضي اللَّه عنها أنها قالت: كان رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، إذَا دَخَلَ الْعشْرُ أحيا اللَّيْلَ، وأيقظ أَهْلهُ، وجدَّ وشَدَّ المِئْزَر
متفقٌ عليه
مفردات الحديث
- الْعشْرُ: أي، الأواخِرُ من شهر رمضان.
- أحيا الليل: استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها.
- جدَّ: أي، اجتهد في العبادة.
- المِئْزَر: الإِزارُ، هو ما يأتزر به الرجل من أسفل.
فوائد الحديث
- شدَّ المِئْزَر: كِنايَةٌ عن اعتِزَال النِّساءِ. وقِيلَ: المُرادُ تشْمِيرهُ للعِبادَةِ. يُقالُ: شَددْتُ لِهذا الأمرِ مِئْزَرِي، أيْ، تشمرتُ، وَتَفَرَّغتُ لَهُ.
- الترغيب في اغتنام الأوقات الفاضلة بالأعمال الصالحة.
- استحباب إحياء الليل في رمضان، ولا سيما العشر الأواخر منه.
- الرسولﷺ، كان يحيي العشر الأواخر من رمضان كلها، وذلك تحريًا لليلة القدر، وهي ليلة تكون في العشر الأواخر من رمضان.
- كان، صلى الله عليه وسلم، يشد المئزر، ويجتهد، ويشمر، وهذا من أنواع المجاهدة.، فالإنسان يجب أن يجاهد نفسه في الأوقات الفاضلة، حتى يستوعبها في طاعة الله تعالى.
100
باب في المجاهدة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم [المُؤمِنُ الْقَوِيُّ خيرٌ وَأَحبُّ إِلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا ينْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بِاللهِ وَلاَ تَعْجَزْ. وإنْ أصابَكَ شيءٌ فلا تقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعلْتُ، كانَ كَذَا وَكذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قدَّرَ اللهُ، ومَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ "لَوْ" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَان]
رواه مسلم
مفردات الحديث
- المؤمن القوي: قوي في البدن، وعزيمة النفس، وقوة الإيمان.
- المؤمن الضعيف هو الذي عنده فتور، وتقصير.
- وفي كلٍّ خير: لاشتراكهما بأصل الإيمان.
- احرصْ على ما ينفعُكَ: أي اجتهد في تحصيله ومباشرته سواء ينفعك في الدين أو الدنيا.
- لا تعجز: لا تفرِّط في طلب ما ينفعك، ولا تترك العمل، ولا تكسل في طلب الطاعة.
- لو تفتح عمل الشيطان: أي وساوسه التي تقود إلى الخسران.
فوائد الحديث
- أن القوة والضعف إنما هو بالنسبة لمجاهدة النفس، والمحافظة على الطاعة، وفعل ما ينفع الناس، ويدفع الشر عنهم.
- لا يتوهم أحد من الناس أن المؤمن الضعيف لا خير فيه، فهو خير من الكافر. والمسلم لا يخلو من معروف وطاعة وصلاح، وإن حصل منه شيء من التقصير.
- ينبغي على المؤمن أن يكون قويًّا في كل شيء؛ ذا همة عالية في أمر دينه ودنياه، وأن يتوكل على الله تعالى في أموره كلها.
- يجب على الإنسان أن يحرص على ما فيه نفعه من أمر الدين والدنيا، وأن يستعين على ذلك بالله تعالى.
- في الحديث إرشاد إلى الدواء عند وقوع المقدور، وذلك بالتسليم لأمر الله، والرضا بقضائه وقدره، لأن الالتفات لما مضى، يؤول إلى الخسران.
اقرأ وارقَ